كيف أثّرت "رؤية 2030" على سوق النفط؟
2021-05-06 | منذ 2 شهر
 وائل مهدي
وائل مهدي

مرت خمس سنوات على الإعلان عن «رؤية المملكة 2030» وشهدت سوق النفط فيها خلال هذه الفترة الكثير من التحديات من تخمة في المعروض النفطي وامتلاء المخزونات لفترة طويلة بالنفط، إلى النمو المستمر الذي تشهده بدائل النفط، أو الزيادة في أعداد السيارات الكهربائية، وتزايد المخاوف من وصول الطلب على النفط إلى ذروته قبل عام 2030 بكثير، وأخيراً تدمير الطلب العام الماضي مع جائحة «كورونا» ووصوله إلى سعر بيع بالسالب (لأول مرة في تاريخ أسواق النفط) في سابقة لا يمكن للعقل تصورها.
لقد كانت رحلة أسعار النفط صعبة خلال الأعوام الخمس الماضية، بين 2016 و2021، حيث بلغت أسعار «برنت» أعلى نقطة لها عند 87 دولاراً في أواخر 2018، وأقل نقطة لها عند 19 دولاراً العام الماضي في بداية الجائحة (إذا استثنينا الحالة الشاذة لسعر البيع بالسالب ليوم واحد).
وبالنسبة إلى بلد مثل السعودية التي تعد القائد الفعلي لأسواق النفط في العالم، رغم تراجع مركزها في حجم الإنتاج إلى المرتبة الثالثة خلف الولايات المتحدة وروسيا، فإن رحلة الأسعار كذلك كانت مؤلمة في فترة الرؤية مقارنةً بما سبقها، وهو ما شكَّل تحدياً كبيراً لبلد لديه رؤية طموحة طويلة الأجل تحتاج إلى تمويل كبير لتحقيق مستهدفاتها ومن أهمها التحول إلى اقتصاد غير نفطي.
لقد بدأت «رؤية 2030» رحلتها بأسعار نفط تحت 40 دولاراً في بداية 2016. وهذه بداية صعبة بعد فترة من ارتفاع أسعار النفط بين 2010 و2015 ظل المتوسط بها فوق 100 دولار وشربت من هذا الارتفاع دول منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) حتى الثمالة. وفي بداية الرؤية لم يكن هناك تعاون دولي على المستوى المطلوب من أجل دعم أسعار النفط التي كانت تهبط بشكل يهدد ميزانيات كل الدول المنتجة في العالم.
نعم كانت هناك تحركات أدت إلى اجتماع في الأشهر الأولى من 2016 في العاصمة القطرية الدوحة بين «أوبك» وكبار المنتجين من خارجها مثل روسيا وأذربيجان، ولكن غاب عن ذلك الاجتماع إيران والتي لم تكن تريد خفض إنتاجها أو الدخول في أي اتفاق لإنقاذ السوق، وبسبب الرفض الإيراني كان القرار واضحاً في الرياض، وهو إما أن تشارك جميع الدول وإما لا اتفاق، وبسبب هذا انهار الاتفاق المبدئي ودخلت سوق النفط في ضبابية حول ماذا سيتم فعله.
لا يخفى على الجميع أن الشكوك كانت كثيرة حول فشل المملكة حينها في إدارة «أوبك» وبدأ المحللون في السوق يتحدثون عن موت «أوبك»، ووجد الإعلام النفطي العالمي هذا الأمر مادة خصبة، ولهذا زادت العناوين حول موت «أوبك» في أعمدة الرأي أو في التقارير الصحافية. في الحقيقة لم يكن هناك أي تفاؤل بأن «أوبك» ستستعيد عافيتها أو تقوم بأي دور إيجابي من أجل النهوض بالسوق والأسعار بسبب الخلافات الداخلية بين الأعضاء.
ومرت السنوات الخمس وكانت رحلة شاقة ولكنها مرت بنجاح، وشكلت «أوبك» تحالفاً قوياً مع روسيا وكثير من الدول الأخرى واستقرت أسعار النفط وخرجت «أوبك» وحلفاؤها من عنق الزجاجة. ولكن ما الذي يجعل سنوات الرؤية مختلفة بالنسبة لسوق النفط عن السنوات التي سبقتها؟ وبمعنى آخر، كيف أثّرت الرؤية على سوق النفط؟
في وجهة نظري لقد كانت هناك تأثيرات جوهرية، أولها هو انتقال «أوبك» من منافس إلى متعاون في سوق النفط وخلق نظام عالمي جديد حافظ على استقرار السوق والأسعار. إن التعاون مع دول خارج «أوبك» ليس بالأمر الجديد وبدأ منذ الثمانينات، وكان أول تعاون حقيقي في أواخر التسعينات بين السعودية والمكسيك وفنزويلا. بعدها زاد حوار المنتجين والمستهلكين، واحتضنت الرياض منتدى الطاقة الدولي الذي لعب دوراً كبيراً في التنسيق لاجتماع جدة للطاقة في 2008، لكن كل هذا التعاون كان على أساس حالات خاصة (ad hoc) ولم يستمر مثل التعاون الأخير الذي أصبح يُعرف بتعاون «أوبك+» والذي دخل سنته الخامسة الآن بعد ولادته في الجزائر أواخر 2016. ولمزيد من الشفافية، لم يكن هناك إيمان كبير من «أوبك» بالدول خارجها، ولكنّ هذا تغيّر مع الرؤية وقادت المملكة محادثات على مستوى رؤساء الدول أدت إلى تعميق التعاون وتدعيم «أوبك+»، وهذا أمر يُحسب للمملكة وللرؤية ولروسيا الاتحادية، بعد أن أصبح القرار في السوق مشتركاً بين الرياض وموسكو.
التأثير الثاني للرؤية، هو دعم «أوبك» وتعزيز موقفها في إدارة السوق، بعد أن دخلت في مرحلة من الضعف بعد 2013 وغياب التنسيق طويل الأجل من أجل دعم الأسعار أو التعاون مع باقي المنتجين.
التأثير الثالث، حديث نوعاً ما، وهو التحول نحو الطاقة النظيفة والاستدامة، ورأينا هذا واضحاً من خلال دخول المملكة في سوق الهيدروجين بمختلف ألوانه (الأخضر والأزرق)، وتبنيها لمبدأ الاقتصاد الدائري للكربون وهذا سيخفض من الآثار السلبية للنفط على البيئة، ويقلل الضغوط الدولية على الدول المنتجة من قبل اتفاقيات المناخ.
أما التأثير الرابع فهي زيادة الشفافية في السوق، إذ ساعد اكتتاب «أرامكو» العالم على أن يعلم كل شيء يدور في أكبر شركة منتجة ومصدرة للنفط الخام في العالم، ومعرفة توجهاتها الاستراتيجية، وهذا مهم للسوق.
وأخيراً أحد توجهات الرؤية هو فتح الاستثمار وجذب الأموال للاقتصاد، ولهذا زادت الصفقات والعمليات التجارية بين المملكة وباقي المنتجين والشركات النفطية ولم تعد العلاقة تعاقدية فقط بل أصبحت استثمارية أكثر، ودخلت المملكة في صفقات ونقاشات مع روسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، وأصبح المجال مفتوحاً لجميع المستثمرين لشراء أصول لـ«أرامكو» مثل أنابيب النفط والغاز. وهذا مما يعزز ويعمّق التعاون مع المنتجين والمستهلكين.
وخلاصة القول: إن الرؤية رغم كل الانتقادات لها والتحديات أمامها هي أداة مهمة للتفكير غير الخطي لمواجهة عالم متغير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن الأمة برس



مقالات أخرى للكاتب

  • لنفكر بالنفط في عالم ما بعد «كورونا»

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي