نوبل العنصرية
2021-10-15 | منذ 1 شهر
أحمد الفيتوري
أحمد الفيتوري

إذا كان لا بد من الحديث عن هوية عبد الرازق قرنح، الحاصل على جائزة نوبل للآداب لعام 2021، فإنه بريطاني، وإن كان في الأصل أفريقي، فقد حصل على الجائزة كبريطاني الجنسية لغته الإنجليزية. وبالتالي لم تحصل أفريقيا على الجائزة، كما لم تحصل عليها اليابان، ساعة حصل عليها عام 2017 البريطاني كازو ايشيجورو، الياباني الأصل، بل في هذه أيضاً، بريطانيا حصلت على الجائزة. وهذا لا ينقص ولا يكبر من الجائزة، ولا من أحقية الحاصلين عليها، لكنه يؤكد حقيقة موضوعية، أنها جائزة غربية: أوروبية أميركية.

لقد مُنحت لتلك الأسباب، وأيضاً كما جاء في تعليل منحه الجائزة، لأن "رواياته تخوض على الأغلب بتجارب الهجرة، بشكل أساسي إلى المملكة المتحدة، والنزوح والذاكرة، والهويات المتعددة الثقافات"، التي هي هموم أوروبية جامحة في هذه اللحظة. وهكذا منحت الجائزة  لعبد الرازق قرنح، بغض النظر عن أصوله، كما مُنحت لأمثاله من قبل. وعليه أستبعد عن الجائزة أي مشاعر عنصرية في هذا، حيث لم تبحث في الأصل والمفصل. فالجائزة في تقديري منذ مطلعها، وهدفها واضح: أن تدعم النوابغ، من القارة الأوروبية والولايات المتحدة، ومن يسهم في ذلك. فمن يكتب بلغة من لغاتها، ويجيد ذلك، يسهم في تطويرها، ومن هذا تقر الجائزة استحقاقه نيلها. وفي حالات نادرة، تم فيها تسييس الجائزة، بحيث منحت لمن يدعم السياسات الغربية، وهذا العنصر كان على الخصوص، ومما لا شك فيه، أكثر ما يخص جائزة نوبل للسلام، المستحدثة نسبياً.

وإن نوبل جائزة دولية، من حيث مركزية الغرب، وكل ما يصدر عنه يكون دولياً بالقوة والفعل. ولهذا حتى على مستوى العلوم، ثمة مركزية في منح الجائزة، ليس لأن ذلك من هدف الجائزة وهويتها وحسب، بل أيضاً من حيث إن العلم كمنتج، مركزه غربي، إلى درجة أن على من يرى في نفسه كفاءة علمية أن يهاجر غرباً، حتى الآن على الأقل.

إذاً، نوبل لم تخرج عن أهدافها، هذا العام وما قبله، وكذلك لم تخرج عن وسائلها. ومن جهة الأهداف، وجه لها نقد، أولاً من قبل مفكرين وكتاب في الغرب، ضد المركزية الغربية، بخاصة في زمن الحرب الباردة، التي وظفت الجائزة فيها كسلاح ثقافي إعلامي ضد الاتحاد السوفياتي. ولعل هذا يؤكد الحقيقة الموضوعية: أن كل عمل بشري دافعه نفوذ ومصالح، بخاصة في الزمن الرأسمالي، الذي يُحسب بالمكاسب والخسائر، والعرض والطلب. ومن هذا الجائزة التي لم تحسب بالقلوب والعواطف، بل بمقدارها المادي، حتى وصل أن أصاب نوبل الفساد، من جانب جنسي!

ولعل علو القيمة الإعلامية لنوبل، يوضح أن الوسائل مركزية، في عرف آل الجائزة، الذين حولوها إلى احتفال باذخ ومظهر طاغ. ومن هذا يكون نجم نجوم نوبل: الحاصل على جائزة الآداب. والآداب وجدان البشرية، أكثر لمعاناً كما نعلم، وأيضاً يمكن الاختلاف فيها وحولها، وليست كالعلوم وهي حقائق دامغة. من هذا المعلوم، تنحى الجائزة إلى المجهول، فيكون من سيحصدها، في كل عام، محل تنجيم وبخت، حتى ظهرت في أوروبا مراهنات في الخصوص، في الأعوام الفائتة. وهذا مما يبين، أن وسائل الجائزة كأهدافها، شغل مؤسسات محكمة.

إذاً، نوبل جائزة المركزية الغربية، حقيقة لا تنكرها، بل فخارها، وليس ثمة جائزة، حتى الآن، في شهرتها. من هذا تسقط الأماني والرغبات، على الجائزة، حتى تتحول إلى سحر وشعوذة، عند بعض من يتاجر ويتلاعب، في كل شيء حتى لا شيء. إذاً، الجائزة تمنح وتكسب، في كل الأحوال، واللغط الذي تثيره، في جانبها الأدبي، مكسب لها ولترويجها، ولمن دار حوله اللغط، خاصة إذا كان كاتباً شهيراً، يزيد من ألق نوبل، التي حتى رفض استلامها، من كاتب كجان بول سارتر، وظف إعلامياً لصالحها. وهذا اللغط لم يكن نتاج اليوم، بل منذ ولدت جوائز نوبل، مما زاد في شهرتها، وقد أنتج ذلك جوائز كثيرة جداً، وإن لم تنل من الحصة الكبرى، لجائزة نوبل صانع الديناميت.

 

*كاتب ليبي

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن الأمة برس

الاندبندنت عربية



مقالات أخرى للكاتب

  • المبتدأ في باريس فأين الخبر؟
  • نوبل من الفائز؟
  • متطرفون ضد التطرف!




  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي