فرصة ثانية لشركاء الثورة بعد اصطدام الانقلاب بالجدار
2021-11-24 | منذ 6 يوم
رفيق خوري
رفيق خوري

عسكر السودان عاد إلى التطبع مع الشراكة في المرحلة الانتقالية بعدما غلب عليه طبع الانفراد. ومن المهم أن يخرج السودانيون من لعنة الانقلاب العسكري على الثورة والانتقال الديمقراطي، وليس فحسب على المكون المدني الشريك الذي صنع الثورة في الشارع قبل أن ينضم إليها الجيش لحظة صار الدفاع عن الرئيس عمر البشير مهمة مستحيلة. لكن الأهم كان ألا يقوم الفريق أول عبد الفتاح البرهان ونائبه الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) ورفاقهما في مجلس السيادة بالانقلاب الذي أعاد كابوس الحكم الإخواني مع البشير، ولو في شكل بشيرية - إخوانية من دون البشير. والأهم أيضاً كان لو تراجع الانقلابيون وأفرجوا عن المعتقلين السياسيين وفكوا أسر رئيس الحكومة عبد الله حمدوك قبل الاصطدام بالجدار الصلب: جدار الشعب الثائر الذي نزل إلى الشوارع بالملايين على الرغم من القمع والاعتقال وإطلاق الرصاص الحي والقنابل المثيرة للدموع. وجدار الرفض العربي والأفريقي والدولي للانقلاب وإعلان وقف المساعدات والاستعداد لفرض العقوبات والعزلة. فما كان من الممكن أن يستمر العسكر في الانقلاب كمغامرة بلا حسابات وطنية من أجل حسابات شخصية وفئوية. ولن تكون العودة إلى الوثيقة الدستورية والشراكة وعودة حمدوك إلى موقعه في رئاسة الحكومة سوى تجربة ثانية مع العسكر على أمل أن تنجح لمصلحة السودانيين.

ذلك أن سهولة الانقلاب كشفت النواقص الكبيرة في إدارة المرحلة الانتقالية. فالشركاء المدنيون في الحكومة ومجلس السيادة كانوا في المناصب لا في السلطة عملياً، بدليل إخراجهم بقرار وزج بعضهم في السجون. والشركاء العسكريون هم أبناء المرحلة التي حكمها عمر البشير على مدى ثلث قرن. مقابل البطء خلال الشراكة في تفكيك شبكة الإخوان و"التمكين" في السلطة جاءت السرعة في طرد كل الكادرات التي عينتها حكومة حمدوك. ومحل الكادرات الثورية حل موظفون سابقون من أيام البشير. لا بل إن واحداً من القرارات السريعة التي اتخذها البرهان كان إلغاء هيئة العمل على إنهاء "التمكين" وطرد المسؤولين عنها وإغلاق مقرها. والهدف الحقيقي للعسكر لم يكن ما كرروه عن "تصحيح" مسار الثورة وتوسيع الإطار المدني ليشمل القوى كلها فلا يقتصر على ما سموه "أقلية" تتحكم بأكثرية، بل كان تضييق المشاركة كمرحلة أولى. أما المرحلة الثانية، فإنها فعل ما لم يستطع الجيش وقوات التدخل السريع فعله خلال الثورة الشعبية: التخلص من الثورة والوقوع تحت إغراء السلطة مكان البشير الذي انتهت صلاحيته.

والامتحان العملي يبدأ مع الفرصة الثانية للشراكة التي لا بديل منها في المرحلة الانتقالية: امتحان جدية العسكر، وامتحان كفايات المدنيين. فلا المطالبة الثورية بالسلطة كلها للمدنيين كانت قابلة للتحقق في الواقع، ولا انفراد العسكر بالسلطة كان سوى إعادة السودان إلى العزلة والفقر والقمع والديكتاتورية واحتمال الانقلابات التي يطمح إليها ضباط آخرون. ولا كانت هناك قدرة على كمِّ أفواه شعب ثائر ذاق طعم الحرية بعد ثلاثين سنة سبقتها سنوات طويلة أيضاً منذ الاستقلال من الديكتاتوريات العسكرية التي لجأت إلى "الإسلام السياسي" كما كانت حال جعفر النميري والبشير.

والتجارب في السودان كما في بلدان عدة أكدت حقيقتين: الأولى أن الانتقال من الديمقراطية إلى الديكتاتورية سهل وسريع باستخدام القوة ثم القمع. والثانية أن الانتقال من الديكتاتورية إلى الديمقراطية مسار طويل وصعب ويحتاج إلى كثير من الحكمة والصبر والخبرة والقدرة على معالجة الأزمات الاقتصادية. أليست المشكلة الكبيرة في تونس اليوم هي فشل الحكم بعد الثورة في معالجة مشاكل البطالة والفساد والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت من أسباب القيام بالثورة؟

من أقوال جورج أورويل صاحب "مزرعة الحيوانات" و"1984": "لا ثورة من دون وعي، ولكن لا وعي من دون ثورة". والسودان محكوم بالجمع بين الثورة والوعي.

 

*كاتب لبناني

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس

اندبندنت عربية



مقالات أخرى للكاتب

  • من الديمقراطية إلى السلطوية الانتخابية
  • العراق ومحاولة الاغتيال: تحدي الصراع بين مشروعين
  • هشاشة عالم قوي يتغير بالاحتباس الحراري وكورونا والهجرة




  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي