واقع أوكرانيا.. بين اليأس والحماس
2022-05-28
جيفري كمب
جيفري كمب

قبل ثلاثة أشهر، أطلقت روسيا عملية عسكرية في أوكرانيا. هذا العمل العسكري استُقبل بمشاعر رفض ويأس من قبل معظم البلدان الغربية. وكان قيام موسكو بشن هجوم خاطف على العاصمة الأوكرانية كييف يهدف إلى الانتصار بشكل سريع، وإسقاط حكومة فولوديمير زيلينسكي، وتنصيب حكومة موالية وإعلان النصر.

غير أنه بسبب مقاومة قوية التنظيم لم يحدث ذلك. فعلى مدى الأسابيع العشرة الماضية، أذهل الأوكرانيون العالَمَ بمهاراتهم العسكرية وبالدرجة العالية من الانضباط لديهم. وقد تم تزويد جيشهم بأسلحة غربية متطورة وفعّالة بشكل متزايد، لاسيما الصواريخ المحمولة المضادة للدبابات ومضادات الطائرات، إضافة إلى الطائرات المسيّرة والمعلومات الاستخباراتية الفورية بخصوص تحركات الجنود الروس. وفي نهاية شهر مارس الماضي، تخلت روسيا عن جهودها، وعمدت إلى سحب قواتها. وفي غضون ذلك، أبدت القوات الأوكرانية في شرق البلاد وجنوبها مقاومة قوية، وألحقت خسائر بالقوات الروسية ومعداتها الحديثة.

فوجئ العالَمُ بتراجع القوات الروسية، وقد أصبح واضحاً أن موسكو نفسها قلّلت كثيراً من شأن استعداد الأوكرانيين للقتال. كما أدركت أخيراً أن توقعه بأن حلف «الناتو» لن ينخرط في النزاع كان توقعاً خاطئاً. ولعل خير دليل على ذلك هو قرار كل من فنلندا والسويد التقدم بطلب الانضمام إلى الحلف، وبالتالي زيادة عدد الدول الأوروبية الملتزمة بالانضمام إلى عمليات عسكرية مشتركة في حال قررت روسيا مهاجمة أحد بلدان «الناتو».

ونتيجة لذلك جاء خطاب الرئيس بوتين يوم «عيد النصر»، في التاسع من مايو الجاري، خطاباً واقعياً إلى حد بعيد. وقد ركز على التحدث عن هجوم جديد للسيطرة على منطقة دونباس في شرق أوكرانيا، وتأمين السيطرة على موانئ البحر الأسود، بما في ذلك أوديسا التي تُعد أساسية لوصول أوكرانيا إلى الطرق التجارية. هذه المرحلة الجديدة من الحرب تُظهر أن روسيا ما زالت تجد أنه من الصعب والمكلف إحراز تقدم متوسط نحو أهدافها. وعلى سبيل المثال، فإن روسيا كانت بحاجة إلى فترة تمتد من الـ24 فبراير إلى الـ20 مايو من أجل انتزاع مدينة ماريوبول الساحلية من القوات الأوكرانية وبسط سيطرتها عليها أخيراً. وخلال الحصار الروسي لهذه المدينة، قُتلت أعداد كبيرة من المدنيين وحُولت المدينة نفسها إلى أنقاض. ونتيجة لذلك، سيطرت روسيا الآن على خراب سيحتاج إلى مبالغ ضخمة من المال من أجل إعادة إعماره قبل أن يستطيع مرة أخرى تأدية دوره كمدينة صناعية مهمة وميناء بحري استراتيجي.

وخلال الفترة التي كانت خلالها ماريوبول منطقة معارك متنازع عليها، كان هناك شعور متزايد بين الأوكرانيين وداعميهم الغربيين بأنه قد يكون من الممكن إرغام روسيا على تقليص أهدافها العسكرية والاعتراف ضمنياً بأنها لن تستطيع أبداً إخضاع أوكرانيا ناهيك عن احتلالها. وكان هناك شعور غامر بأن أوكرانيا تستطيع في الواقع تحقيق فوز في الحرب.

غير أن ذلك الشعور الحماسي ليس في محله. ذلك أن روسيا لم تنهزم، وطالما أنها تسير على نهج سياستها الحالية، فإنها لن تعترف أبداً بالخسارة أو الاستسلام، لأنها بحاجة إلى نصر يبرر العملية العسكرية في أصلها. ولهذا، فستكثّف روسيا هجماتها على طرق الإمداد الأوكرانية الحيوية من أوروبا حيث تصل الأسلحة الغربية التي تُعد أساسية لصالح الجهد الحربي الأوكراني.

وقريباً، ربما سيتعين على زيلينسكي التفكير في شروط وقف لإطلاق النار متفاوض عليه، لاسيما أن أنصاره في الغرب يجب أن يستجيبوا للضغوط الداخلية التي يتعرضون لها من أجل تجنب نزاع طويل ومكلف. وفضلاً عن ذلك، فإن المجتمع العالمي في حاجة للوصول إلى المحاصيل الأوكرانية من القمح، وحبوب عباد الشمس، والشعير للمساعدة على تفادي نقص حاد في الغذاء في العديد من البلدان. وعليه، فالحقيقة هي أنه من أجل إنقاذ معظم أوكرانيا وتأمينها، قد يكون الاعتراف بالاحتلال الروسي بحكم الواقع لقطاعات واسعة من منطقة الدونباس وبعض موانئ البحر الأسود (ولكن ليس أوديسا) هو الثمن الذي سيتعين عليه دفعه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – الاتحاد-



مقالات أخرى للكاتب

  • مصير «المحافظين».. أسبوع بريطاني لا ينسى
  • أزمة الغذاء العالمية القادمة
  • حرب أوكرانيا في خطاب «عيد النصر»





  • شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي