كتاب قوى التخييل لفانسون جوف: الإغراء السردي أو لماذا نحب القصص؟

شكير نصرالدين
2021-04-27 | منذ 3 أسبوع

يعتبر الباحث الفرنسي فانسون جوف من أساتذة الدراسات الأدبية، الذين يجمعون بين المعرفة النظرية وتبليغ الأدب، وجعل النفاذ إليه ميسرا، لما يمتاز به أسلوب التأليف عنده بالوضوح والإيجاز، بل التطبيق، إذ يؤمن بأن النظرية السليمة تمحَص عند العمل بها.

كان هذا دأبه دوما في ما نشر، ومنها كتابه «قوى التخييل» الصادر في طبعته الفرنسية نهاية عام 2019 وفي طبعته العربية عن دار دال للنشر والفنون ـ سوريا 2020. وإذا كان في كتبه الأولى يبحث كيفية اشتغال جملة من المفاهيم والمقولات مثلما في «أثر الشخصية في الرواية» (1992) «القراءة» (1993) أو «شعرية القيم» (2001) فإن محور أبحاثه أصبح يدور حول سؤال «لماذا»؟ لماذا دراسة الأدب؟ (2010) وماذا قد يفيد به تعليم الأدب؟ «نظرات جديدة حول الأدب» (2013) حيث وصل الباحث منطقيا إلى الانكباب على الأسباب التي تدفع الناس إلى استهلاك نصوص أدبية بصفة عامة، وعلى الأخص التخييلات، بوضع جملة من الأسئلة من قبيل: لماذا تجذبنا القصص؟ لماذا نحتاج إلى حكايات خيالية؟ ما الذي تفيدنا به نصوص التخييل؟

وإذا كانت نظرة فانسون جوف إلى الأدب تستفيد من الإرث النقدي الفرنسي في مجال السرديات والشعرية والسيميائيات الفرنسية، فإنه لا يكتفي به، بل يحاوره ويتجاوزه بالتركيز على فاعلية القارئ في الحدث الأدبي والتخييلي، إذ لم يعد يحصر موضوع دراسته في النص المغلق، بل في الحدث التخييلي، أي بصفته دينامية تجتمع فيها أطراف العملية الإبداعية من مؤلف، الناظم لمحفل الإدراك، والقارئ المتلقي والمشارك، حيث أن الباحث يعتبر الحدث التخييلي بمثابة معطى أنثروبولوجي لا يمكن الإحاطة به إلا باستخدام مجموع العلوم الإنسانية، لأن حاجتنا إلى التخييل تقوم على أسباب نفسية وثقافية واجتماعية. وفي هذا الصدد يأتي التفكير في محركات النفوس التي يثيرها الأدب بوجه عام وحكايات التخييل على الخصوص، التي لم تُجب عنها باقي النقود السائدة حتى مطلع الألفية الثالثة.

هنا تأتي أهمية المرجعيات التي ينهل منها الباحث فانسون جوف في اتصالها وتكامل مباحثها، من أنثروبولوجيا وعلوم معرفية، وتداولية، ونظريات القراءة بل ونظريات التطور التي يستعين التحليل بأدواتها جميعا، والسعي إلى فهم أفضل لاشتغال القراءة، وأثناء ذلك إيراد أدوات لدراسة النصوص، قصد ضبط محركات الإغراء السردي، وتكمن الجدة في أن جوف يقدم مقاربة لموضوع تجاهله النقد والنظر النقدي طويلا ألا وهو استعمال التأثرات في التخييل، ودورها في علاقة العمل بالقارئ والقارئ بالعمل، من خلال البحث في انجذاب الإنسان إلى الحكايات. ويقوده التحليل الأنثروبولوجي إلى دراسة محركات الإغراء السردي: الفائدة والتأثر والشعور الجمالي. وفي هذا الإطار يتم التطرق لحكاية التخييل بصفتها نصا سرديا وتخييلا ثم بصفتها موضوعا جماليا.

ولأن الانجذاب نحو الحكاية لا يقتصر على القصص السردي المكتوب، فإن الباحث يستقي أمثلته من مجموع الحقل الثقافي، معتمدا في ذلك على الروايات والقصص المصورة والأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية، ويتساءل حول المغانم التي تعقب فعل القراءة بصفته تلك: إذا كانت حكاية ما تجعلنا ننزع إليها، فذلك راجع لما قد تجلبه لنا تاليا، بعد الفراغ من القراءة أو المشاهدة. وبهذا المعنى يفصل مسألة الفائدة من الحكايات التخييلية، وهي مسألة لم تطرق كثيرا بما يكفي في الأعمال المنجزة حول الحكاية.

 

إن الإغراء الجمالي ينهض طبعا بدور كبير، لكن القارئ يتوقع أولا، أن يُسهِّل الشكلُ انغماسَه في الكون التخييلي. وبهذا النحو يحيل الانغماس المحاكاتي والإشباع الجمالي على تجربتين منفصلتين لا تتقاطعان لزوما.

 

في بسطه لمفهوم الفائدة يميز جوف المفيد عن المؤثر، لأن الفائدة والتأثر لا يعتمدان على الآليات نفسها، كما ليس هناك تأثرات يدون رهان شخصي؛ فإذا كان التأثر يحيل إلى العاطفي، فإن الفائدة تدل على علاقة معرفية: هناك تأثر حين يهزني شيء ما، وثمة فائدة حين أتعلم شيئا، لذلك وجبت دراستهما في انفصالهما. وتنبني الفائدة السردية على اللامتوقع، وإذا كانت حكاية التخييل تفرض أثر الواقعي ومواضعات الجنس وقرينة الفائدة، فإنها تستند أيضا إلى لا متوقع حكائي وتلفظي يعيد النظر في عاداتنا، ويقدح شرارة حب الاستطلاع فينا. فالفائدة السردية تنبني على مجرى القصة، بينما تنبني الفائدة التأويلية على ما يوجد فيها بالقوة من حيث الدلالات والمعاني، إذ تستند إلى التعقيد، لأن النص السردي عصي على الصياغة النموذجية. بغض النظر عن جاذبيتها الشكلية، فإن الحكاية تشدنا إليها لأن فيها أنواعا متعددة من الفائدة، ولأنها تولد التأثر وتنهض ببعض الوظائف العملية.

قد تعتمد الفائدة على اللامتوقع أو على التعقيد. قد يكون اللامتوقع حكائيا (حينما يتعلق بعالم الحكاية) أو تلفظيا (حينما يتعلق ببناء النص) لكن في جميع الأحوال، إنه يؤدي إلى مساءلة عاداتنا. إننا نستغرب اللا متوقع الحكائي بصفتنا فاعلا في العالم (لا تجري الأمور كما كنا نظن ولا يتصرف الناس مثلما كنا نتخيل) ونستغرب اللامتوقع التلفظي بصفتنا قارئا للحكاية. نتحدث عن التعقيد حينما يثير موقف سردي الحيرة. وعلى وجه التقريب، إذا كان دوما في نص التخييل قسط من التعقيد، لأنه في حكاية ما يعطى الامتياز للتمثيل طبعا: ويعود للقارئ أمر استخراج رهانات قصة نادرا ما يتم تقديمها بطريقة صريحة. ولأن الحكاية يجب أن تبقى مع ذلك في المتناول، فإن تعقيد المضمون يتم تعويضه معظم الأحيان ببساطة الشكل. يعد التأثر، إلى جانب الفائدة، ثاني أكبر محرّك للإغراء السردي. إذا كان التأثر ملازما للموقف الممثَّل، في معظم الأحيان، فإنه من الممكن تشديده بطرائق متنوعة مثل القرب وامتناع الحدوث والتدرج. من أكبر فوائد حكاية التخييل أنها تسمح للقارئ بجني ربح من المظهر الإيجابي للتأثرات، دون أن يؤذينا مظهرها السلبي.

إن الإغراء الجمالي ينهض طبعا بدور كبير، لكن القارئ يتوقع أولا، أن يُسهِّل الشكلُ انغماسَه في الكون التخييلي. وبهذا النحو يحيل الانغماس المحاكاتي والإشباع الجمالي على تجربتين منفصلتين لا تتقاطعان لزوما.

وبغض النظر عن أثرها العاجل، شد انتباه القارئ، فإن جاذبية الحكاية تقاس كذلك على المدى البعيد (المزايا الواردة منها بعدئذ). هكذا تستطيع الحكاية أن تغري بسبب فضائلها التعويضية (إنها تشبع رغباتنا بملء فراغات الواقع) ووظيفتها التعليمية (إنها تتيح استكشاف و»تجربة» مواقف) وثراءها التأويلي (إنها تستدعي ملكاتنا المعرفية وتجدد رؤيتنا للعالم).



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي