«زوم» لن يوقف حربًا نووية.. لماذا يحتاج قادة دول العالم الكبرى مزيدًا من التواصل؟

Zoom Won’t Stop a Nuclear War
2021-05-02 | منذ 2 أسبوع

ولَّى زمن «الهاتف الأحمر»، وهو خط الاتصال الساخن الذي دشنته الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في عام 1963 وحذت حذوهما دول أخرى نووية منذ ذلك الحين. بيدَ أن التهديدات النووية لم تضع أوزارها بعد، بل أصبحت أكثر خطورة من أي وقت مضى؛ لذا يؤكد الباحثان سهيل شاه، الذي يركز على الحد من المخاطر الإستراتيجية والنووية، وعدم الانتشار، ونزع السلاح، وليا ووكر، التي تركز على الأمن الرقمي والأسلحة النووية والتقنيات الناشئة، على الضرورة الملحة إلى تدشين جيل جديد من الخطوط الساخنة النووية لإدارة الأزمات الدولية.

مع قرب حلول الذكرى الستين لأزمة الصواريخ الكوبية العام المقبل، يلفت الكاتبان في مستهل مقالهما المنشور في مجلة فورين بوليسي الأمريكية إلى أن عجز قادة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي عن التواصل المباشر والصريح والفوري؛ أسهم في التفسيرات الخاطئة وسوء التقدير الذي دفع القوتين العظميين إلى شفا حرب نووية في الماضي.

يوضح المقال أن الرسائل حتى تنتقل بين السفارات المعنية، داخل العواصم غير الموثوقة؛ كانت تستغرق ما يصل إلى نصف يوم. ومن انعدام الثقة؛ زادت فترة التأخير، ما وضع العالم على مرمى حجر من هجوم نووي متبادل مدمر. لكن ثمة جانبًا مشرقًا من الأزمة هو: زيادة إدراك القوتين العظميين، وبقية دول العالم، لمدى الحاجة إلى اتصالات سريعة وموثوق فيها على مستوى القيادة.

نتج عن تلك الأزمة تدشين خط ساخن بين واشنطن وموسكو، كان بمثابة نموذج لروابط الاتصال الثنائية التي دشنت لاحقًا وعلى مدى أكثر من نصف قرن. وعلى الرغم من أن الخط الساخن بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كان يعرف باسم «الهاتف الأحمر»، فإن هذه التسمية مضللة.

فما بدأ في عام 1963 كرسائل مكتوبة تتبادلها واشنطن وموسكو من خلال كابلات المحيط الأطلسي عبر مناطق أوروبية مختلفة، تطورت فيما بعد من الراديو إلى دوائر الأقمار الصناعية في عام 1978، ثم إلى خدمة الفاكس عالية السرعة في عام 1986، ثم إلى الاتصالات التي تستخدم الألياف الضوئية في عام 2008.

على مدار الخمسين عامًا الماضية، أنشئت خطوط ساخنة ثنائية أخرى في جميع أنحاء العالم، تختلف عن بعضها في الشكل والوظيفة والمستوى. ومع ذلك حتى لو كانت جميع الدول المسلحة نوويًا تمتلك خطوطًا ساخنة ثنائية، فإنها لن تفي باحتياجات العالم النووي متعدد الأقطاب.

بيت القصيد: الثقة المفقودة

على الرغم من وجود ما يقرب من 12 خطًا ساخنًا في الوقت الراهن، ليست كل الدول التي تمتلك أسلحة نووية لديها قناة تواصل على مستوى رؤساء الدول، أو حتى على أي مستوى في بعض الحالات. والحال هكذا، يعرب الباحثان عن دهشتهما لعدم وجود خطوط اتصال متعددة الأطراف يمكن الوثوق بها، خاصة في هذا العصر الذي قد يتعذر فيه التأكد من احتواء أي أزمة نووية أو صراع على وجه اليقين بين دولتين. ويشيران إلى أن بيت القصيد في هذا الصدد هو: الثقة؛ في هوية المحاور، وفي النظام نفسه، وفي الرسائل التي يحملها.

في جنوب آسيا، حيث لا تزال التوترات محتدمة بين الهند وباكستان والصين بشأن النزاعات الحدودية، لا توجد خطوط ساخنة بين رؤساء أي من هذه الدول الثلاث، وهناك فقط خطوط اتصال ثنائية محدودة على مستويات أخرى بين الهند وباكستان، ودُشِّنَت خطوط على هذا المستوى مؤخرًا بين الهند والصين. من غير الواضح ما إذا كانت قنوات التواصل الثنائية، على الصعيدين العسكري والسياسي، في هذه المساحة موثوقة، أو حتى تستخدم بانتظام في أوقات الأزمات الحقيقية.

يذكر الباحثان أن الخط الساخن بين الهند وباكستان، الذي تديره القوات المسلحة، ودُشِّن بعد حرب عام 1971، كان يُنظَر إليه على مدى عقود باعتباره «صاخبًا وغير موثوق به ويتعطل كثيرًا»، وبالتالي لم يستخدم عندما كان يتوقع استخدامه. في فبراير (شباط) 2021 أعيد إحياء هذا الخط بعد عدة سنوات لمناقشة وقف إطلاق النار القائم حاليًا بين البلدين، وصولًا إلى الموافقة عليه. لكن تكمن مشكلة هذا الخط الساخن في أنه دُشِّنَ للمساعدة في تهدئة التوترات المتعلقة بخط السيطرة، بينما المشكلات العالقة بين الهند وباكستان أكثر عمقًا.

على الجانب السياسي، يرى الخبراء أن الخط الساخن الذي أنشئ عام 1989 بين رئيسي الوزراء الهندي والباكستاني راجيف غاندي وبينظير بوتو، وجرى تشغيله وإيقافه عدة مرات منذ ذلك الحين، ومثله الخط الساخن النووي الذي أنشئ عام 2004 بين وزيري الخارجية الهندي والباكستاني، يمران بحالة احتضار.

على صعيد الهند والصين، لم يُدَشَّن خط ساخن بين المدير العام الهندي للعمليات العسكرية والقيادة الصينية للمسرح الغربي إلا في عام 2020، بعد سنوات من المناقشات المطولة. كما اتفق وزيرا خارجية الهند والصين على تدشين خط سياسي ساخن في فبراير من هذا العام. وأنشئ كلا الخطين في أعقاب الأزمة الحدودية التي اندلعت عام 2020 بين الهند والصين.

المخاطر النووية للتقنيات الناشئة

على الرغم من عدم وجود خط ساخن على مستوى القيادة بين الجارتين النوويتين، منذ أصبح ناريندرا مودي رئيسًا للحكومة الهندية في عام 2014 وحتى بدأت الأزمة الحدودية الصيف الماضي، التقى هو والرئيس الصيني شي جين بينغ شخصيًا 18 مرة على الأقل. صحيح أن هذا التواصل المباشر رفيع المستوى نادر جدًا، بيد أن التهديدات التي تشكلها عمليات القرصنة أو هجمات انتحال الشخصية المعقدة أو حتى محاكاة الصوت البسيطة يمكن أن تخدع القادة الذين تربطهم درجة عالية من الألفة مع بعضهم البعض.

حتى أن العديد من مضيفي البرامج الإذاعية استطاعوا التحدث مع رؤساء دول مختلفين بينما كانوا يتظاهرون بأنهم شخصيات رفيعة المستوى.

في عالم اليوم، يكثر استخدام التقنيات الناشئة، مثل إنتاج الصوت أو مقاطع الفيديو باستخدام الذكاء الاصطناعي، المعروف باسم التزييف العميق، التي تزيد من خطر سوء التواصل وسوء التقدير. حتى عندما تكون هناك ألفة بين القادة أمثال مودي وشي، وربما ثقة شخصية ببعضهم البعض، فإن التقنيات المتداخلة، التي تتزايد إقناعًا يومًا بعد يوم، يمكن أن تلقي بظلال قاتمة من الشك على موثوقية الخطوط الساخنة الحالية. ولا غروَ، فالأصوات التي تنتجها تقنية التزييف العميق متقدمة بالفعل، لدرجة أن المخترقين استخدموها لتقليد صوت رئيس تنفيذي وأحرزوا نجاحًا كبيرًا.

يستشهد الباحثان باهتزاز جودة اتصالات أول خط ساخن عسكري بين الهند وباكستان، لتوضيح التحديات التقنية التي تعوق التواصل الآمن عبر مسافات طويلة، لا سيما عندما تتدهور البيئة بسبب الكوارث الطبيعية أو النزاعات، أو في حالة أسوأ وأكثر إلحاحًا: حدوث تفجير نووي.

علاوة على هذه العيوب المادية، يلفت الباحثان إلى السيل المتدفق من التصريحات والوثائق الرسمية والبيانات المرسلة إلى وسائل الإعلام والتغريدات وغيرها من التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يولد قدرًا هائلًا من المعلومات، سواء كانت صحيحة أو مضللة، يصعب فرزه.

«زوم» مناسب لتبادل المجاملات وليس حل الأزمات النووية

والحال هكذا، يستنتج المقال أن مسارات الاتصالات الحالية ليست مناسبة لبيئة التهديد النووي الراهنة، ويشدد على الحاجة الملحة إلى الوضوح في إدارة الأزمة النووية في القرن الحادي والعشرين. قد تكون مكالمة زوم مناسبة لقادة العالم لتبادل المجاملات أو الإهانات، لكنها ليست مضمونة ولا آمنة بما يكفي لإجراء مناقشات حساسة عندما تكون الأمور على شفا حرب نووية. ولا يمكن الاعتماد عليها في بيئة اتصالات متدهورة، عندما تتعطل الشبكات الخلوية والإنترنت.

يشير المقال إلى تغير المشهد النووي بسرعة نتيجة التقنيات الناشئة، مثل الضربة العالمية الفورية (منظومات سلاح غير نووي عالي الدقة تستطيع ضرب أي هدف حول العالم في لحظة اتخاذ القرار) والاستهداف الدقيق والصواريخ التي تفوق سرعة الصوت والذكاء الاصطناعي؛ مما يشكل بيئة يكون فيها الاستخدام المحتمل للأسلحة النووية أكثر غموضًا وأصعب توقعًا.

تعيد الدول المسلحة نوويًا التأكيد على دور الأسلحة النووية في عقائدها الأمنية، بموازاة انخراطها في جهود التحديث، وفي بعض الحالات تخفض عتبة الانتقام النووي المحتمل لتشمل نطاقًا أوسع من الهجمات الإستراتيجية غير النووية المهمة، بما في ذلك الهجمات الإلكترونية.

نتيجة لذلك، يشدد الباحثان على الأهمية البالغة لتدشين خطوط اتصالات قوية، وضرورة أن يكون أي خط ساخن جديد متعدد الأطراف مرنًا في مواجهة القرصنة، واعتراض الإشارة، ونقاط الضعف في البرامج الثابتة والبرمجيات والأجهزة، وتدهور البيئة، والتهديدات الأخرى مثل النبضات الكهرومغناطيسية، التي سبق أن عطلت قمرًا صناعيًا. ومع تطور التكنولوجيا، يتعين تأمين الجيل التالي من الخطوط الساخنة من المخاطر الجديدة وتعزيزها تقنيًا.

في حين أن بعض الخطوط الساخنة الحالية ضعيفة تقنيًا، إلا أنها كانت مفيدة في تسهيل الاتصالات في البيئات المعقدة والمعادية. يستشهد المقال بالخطوط الساخنة بين القوات الأمريكية والروسية في سوريا والتي أثبتت أنها شديدة الفعالية في تجنب حدوث تصادم، والخطوط الساخنة بين جيشي كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية ومكاتبهما الرئاسية ومكتب الاتصال بين الكوريتين لفض النزاعات والتواصل على كافة المستويات من تنسيق الحركة الجوية إلى حل المشكلات البحرية.

تكمن المشكلة في أنه على الرغم من صعوبة تدشين الخطوط الساخنة وتأمينها، إلا أنه من السهل أيضًا قطعها والتخلي عنها، على غرار ما فعلته كوريا الشمالية في الماضي، في أوقات الخلافات الدبلوماسية والتوترات المتزايدة.

ومع ذلك يؤكد الباحثان أن الخطوط الساخنة الحالية لا تكفي للتعامل مع الأزمات النووية؛ لأن مخاطر وتعقيدات الأزمات النووية تتطلب تواصلًا مباشرًا على مستوى القيادة العليا لتجنب حدوث تفجيرات نووية وخفض تصعيد الصراع النووي بسرعة عندما تفشل الجهود الأخرى.

دعوة لإعادة التفكير في الخطوط الساخنة

بينما تسعى الدول المسلحة نوويًا إلى الحد من مخاطر نشوب صراع نووي في هذا العصر الجديد من المنافسة متعددة الأقطاب بين القوى العظمى، ينصح الباحثان بإعادة التفكير في تدشين الخطوط الساخنة؛ نظرًا لفوائدها المؤكدة التي يمكن أن يكون بمثابة محفز تقني لتعزيز الثقة وتوسيع نطاق الحوار.

مما يساعد على تحقيق ذلك، أن فرنسا تبنت مفهوم «الحد من المخاطر الإستراتيجية»، وستجعل تحسين تقنيات الاتصال أثناء الأزمات مثل الخطوط الساخنة أولوية رئيسة على جدول نقاش الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قبل وبعد المؤتمر المزمع لمعاهدة لمناقشة عدم انتشار الأسلحة النووية في أغسطس (آب).

في المقابل قدمت العديد من الأصوات الحكومية وغير الحكومية مقترحات متنوعة للدول التي تمتلك أسلحة نووية للنظر فيما إذا كانت جادة في تحسين البيئة الأمنية. على سبيل المثال، حددت الدول الـ16 المشاركة في مبادرة ستوكهولم قائمة بـ«نقاط الانطلاق» نحو نزع السلاح النووي، تشمل تحسين الخطوط الساخنة. في الوقت نفسه ذكر تحالف آخر من 12 دولة تشكل مبادرة عدم الانتشار ونزع السلاح ضرورة تدشين خطوط اتصال مقاومة للأزمات في مساحات الاتفاق المحتملة لتقليل المخاطر النووية.

كما أشارت المؤسسة العالمية لتعزيز عدم الانتشار ونزع السلاح إلى أن قنوات الاتصالات بين الدول التي تمتلك أسلحة نووية «ليست شاملة، والموجود منها بالفعل يحتاج إلى إعادة نظر».

تدرس المنظمتان اللتان يعمل فيها الباحثان – معهد الأمن والتكنولوجيا وشبكة القيادة الأوروبية – عملية صنع القرارات المتعلقة بالأسلحة النووية في مواجهة التعقيد التكنولوجي. على وجه الخصوص، فحص فريق معهد الأمن والتكنولوجيا أنظمة القيادة والتحكم والاتصالات النووية العالمية، وحدد الشكل الذي يمكن أن يبدو عليه الخط الساخن العالمي المبتكر، الذي يطلق عليه اسم Catalink، وهو مشروع تجاوز المرحلة النظرية، وأصباح جاهزًا للتقييم بين يدي الدول المسلحة نوويًا.

ويمكن إجراء مثل هذا التقييم دون تغيير في سياسات الدول أو مواقفها أو ترساناتها، وسيفيد ذلك جهودهم لاتخاذ نهج أكثر إستراتيجية للحد من المخاطر النووية بموازاة تصاعد التوترات في مناطق الصراع في جميع أنحاء العالم.

نظرًا للمخاطر الحقيقية للتصعيد النووي جراء سوء تفسير الخطاب أو الأفعال، أو سوء تقدير الردود بسبب الغموض والسرية، يشدد الكاتبان مرة أخرى على ضرورة أن تتاح للقادة الفرصة للتحدث بوضوح وثقة وسرية. ومن المستحيل الحفاظ على الاستقرار ومنع الاستخدام النووي في عالم غير مستقر متعدد الأقطاب يضم تسع دول مسلحة نوويًا باستخدام المنطق ثنائي القطب والأنظمة غير الملائمة التي تعود إلى زمن الحرب الباردة.

بل يحتاج العالم إلى أنظمة اتصالات متعددة الأطراف حديثة وقوية التشفير وقابلة للبقاء ومتاحة لصناع القرار النووي لمواجهة مخاطر الواقع النووي في القرن الحادي والعشرين. ثم يختم الباحثان مقالهما بالتشديد مرة أخيرة على الضرورة الملحة لترقية الخطوط الساخنة.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي