النقد والشعر ينقذان الثقافة العربية من العولمة

متابعات الأمة برس
2021-05-06 | منذ 2 شهر

أي ثقافة للفرد في زمن الاستهلاك (لوحة للفنانة ريم ياسوف)

دمشق- ليست الثقافة أدبًا وفنًا وقراءات ورؤى تبحر فيها وحسب، بل هي منهج حياة يتصل بالواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهي أحد أهم مقومات وجودنا في العالم اليوم.

عبر هذه التصورات ينطلق الباحث السوري وهب رومية في كتابه “من قضايا الثقافة”، متناولًا عبره التحولات الكبرى التي عاشتها الثقافة في الوطن العربي وتأثيرات التغييرات السياسية الكبرى التي عاشتها المنطقة عليها، والثقافة ودورها في تحدي العوامل الخارجية المؤثرة أو الاستجابة لها.

ويقدم الكتاب ما يمكن اعتباره مراجعة نقدية للعلاقة المختلة، السائدة منذ العقود الماضية بين الثقافة والسياسة، ولكن ليس من باب الدعوة إلى الفصل بين السياسي والثقافي كما يظن البعض، بل سعيا إلى تحرير الثقافة من هيمنة السياسة وإملاءاتها الأيديولوجية.

 

الباحث وهب رومية يستخدم المنهج الوصفي التحليلي الذي يسمح بفهم وتحليل الآثار التي خلفتها ظاهرة العولمة

ففي واقعنا العربي الرازح تحت عبء إرث ثقيل من المشاكل والتحديات المتزايدة والمتراكمة، من الصعب الحديث عن ثقافة لا تنشغل بقضايا الإنسان وهمومه وأحلامه وصراعه من أجل الحياة الكريمة.

وللثقافة كما يرى رومية معنى أكبر وأعمق من حدود الآداب والفنون، معنى وجودي ينقذها من الارتهان لهذه السلطة أو تلك، بعد أن اتخذ مفهوم الالتزام خلال تلك العقود مفهوما سلبيا، انعكس تأثيره على تطور الثقافة وتأثيرها في الحياة والمجتمع، ولذلك يدفع بالفعل الثقافي إلى ما يمكن خلقه من تغيير اجتماعي عبر نحت عقليات جديدة وعبر ترسيخ النقد.

الكتاب الذي يتألف من بابين رئيسيين خصص أولهما للحديث عن قضايا الثقافة العامة عبر أربعة فصول، فناقش الأول محاور تشمل الأنا والآخر، العولمة والعرب، العولمة والثقافة، والحوار بين الواقع والضرورة.

وفي ظل العولمة في بعديها الثقافي والسياسي لم تعد الدولة مطلقة اليد في ممارسة بعض مظاهر السيادة كما لم يعد الأفراد في معزل عن الاغتراب وتفكك الهويات وذوبانها في قوالب استهلاكية واحدة من شرق العالم إلى غربه. فقد أدت التطورات العالمية إلى تقليص سيادة الدولة وتفكيك هويات الأفراد والشعوب وضرب التنوع الثقافي، وقد كان وقع صدمة العولمة عنيفا على أغلب الدول، ولم يكن العالم العربي استثناء من هذه القاعدة، بل إن تحديات العولمة على الدول العربية كانت بالغة الجسامة وعلى مختلف الجوانب الإنسانية والثقافية وغيرها.

ويستخدم رومية المنهج الوصفي التحليلي الذي يسمح بفهم وتحليل الآثار التي خلفتها ظاهرة العولمة، مع استخدام منهج دراسة الحالة لاستكشاف حالة العالم العربي جراء تأثيرات هذه الظاهرة التي تمثل تحديًا حقيقيًا للثقافة والهوية الثقافية العربية وخاصة للغة العربية التي تعتبر مكونا هوويا وثقافيا أساسيا.

أما الفصل الثاني فقد جاء بعنوان “أثر اللغة والثقافة في المكون العروبي” ويتطرق فيه رومية إلى قضايا تتعلق باللغة وعلاقتها بالفكر والثقافة والهوية، فيما يعالج في الفصل الثالث الذي حمل عنوان “نظرة مستأنفة في الثقافة والعولمة الثقافية” مفهوم الثقافة وخصائصها وعلاقتها بالحضارة.

مراجعة نقدية للعلاقة المختلة السائدة منذ العقود الماضية بين الثقافة والسياسة

ويبحث الكاتب في الفصل الرابع في “مفهوم الهوية في خطاب المفكرين العرب من مطلع عصر النهضة إلى يومنا الحاضر” من خلال مراحل تضمنت الاتجاهات الإسلامية والعلمانية والعروبية والإقليمية الوطنية.

وخصص الكاتب الباب الثاني من الكتاب لقضايا الثقافة الأدبية من خلال معالجة القصيدة العربية المعاصرة وتطور مضمونها وأدواتها وعلاقتها بالفنون الأخرى ومرجعياتها وأزمة القصيدة بين المبدع والمتلقي ليلقي الضوء على ما خصصته من حيز للقضية القومية وقضية فلسطين بشكل خاص.

وتحت عنوان “نحو رؤية نقدية معاصرة” يطرح الباحث فرضية البحث العلمية عبر “عروبة النقد بين الحلم والوهم” متعرضًا إلى المشهد النقدي الراهن والنقد العلمي من التنظير إلى التفكك والاستغلاق وخارطة النقد التطبيقي المعاصر.

ويختم رومية كتابه بجملة من التساؤلات تشكل بحد ذاتها قضايا عميقة وشائكة للبحث عن تحديد هويتنا وما مفهوم الثقافة وما طبيعتها ووظائفها في المجتمع؟ وهل يمكن بناء ثقافة عربية لها خصوصيتها زمن العولمة؟ كما يتساءل عن مفهوم النقد وعما إذا كان علمًا أم فنًا أم بين الاثنين؟ وما علاقته بالثقافة؟ وهل له دور في وظائفها المجتمعية أم هو نشاط خاص لا يرتبط بالقيم الوطنية والقومية؟ ويواصل تساؤلاته حول مفهوم الشعر وهل هو بنية لغوية معرفية جمالية أم إن العنصر المعرفي فيه هامشي؟ وما هو مفهوم التراث وما موقفنا منه بين القطيعة وبين التقديس والاحتماء به؟

يذكر أن الدكتور وهب رومية أستاذ في جامعة دمشق وعضو مجمع اللغة العربية له مجموعة من المؤلفات من أشهرها “الرحلة في القصيدة الجاهلية” و”شعر ابن زيدون الشعر والذاكرة”. وكتاب “من قضايا الثقافة” من إصدارات الهيئة العامة السورية للكتاب ضمن سلسلة آفاق ثقافية ويقع في 431 من الحجم المتوسط.

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي