هل كثرة التقاط الصور الفوتوغرافية تمنع الدماغ من الاحتفاظ بالذكريات؟

الجزيرة نت
2022-09-01

هل كثرة التقاط الصور الفوتوغرافية تمنع الدماغ من الاحتفاظ بالذكريات؟ (التواصل الاجتماعي)

منى خير

يلجأ كثيرون لاستخدام كاميرا الهاتف في كل مكان، التي تشتت أحيانا جمال تواصل اللقاءات، إذ تكثر المقاطعات للتصوير ويمضي الوقت وتتجمع "الصور الإلكترونية" في الأجهزة، وقلما يعود لها المرء مرة أخرى.

فهل كثرة التقاط الصور الفوتوغرافية والانشغال بها يمنعان الدماغ من الاحتفاظ بالذكريات؟ حول ذلك يجيب اختصاصيين، ويضعون آراء بعض مستخدمي الهواتف.

ذكرياتنا في الهاتف النقال

قد يرى البعض أن كثرة التقاط الصور أمر جميل يوثق اللحظات الجميلة، وقد يراها آخرون "ملهيات" تشتت اللحظات والذكريات في المستقبل، ومنهم الخمسيني أبو عبد الله الذي يقول "أصبح فلاش الكاميرا مرافقا لنا في كل مكان، أنزعج جدا من انشغال أبنائي وأحفادي بكثرة التقاط الصور في التجمعات والمناسبات والعزائم وغيرها، فيهتمون بالخلفية والإضاءة وسخافة المقاطع التي تُصور جماعية وفردية".

ويشرح "للأسف، تتحول اللحظة الجميلة إلى هواتف تلتقط صورا وأحاديث عن تبادل الصور، ومن يجب أن يهتموا به أكثر".

وتعلق الجدة أم فاروق بقولها "أنتظر الخروج مع أبنائي وأحفادي بلهفة وشوق، ولكن للأسف نقضي أغلب الوقت في التصوير، كأننا نحضر لإخراج مسلسل أو فيلم ما".

أما الثلاثينية جمان فترى أن التقاط الصور وسيلة "مهمة" للحفاظ على ذكرياتنا في الرحلات والسفر واللقاءات، مبينة أنها تستمتع بالتصوير، وأيضا بمراجعة الصور لاستذكار العديد من المواقف.

ويقول الأربعيني أبو نشأت "للأسف الجميع متعلق بالهاتف للتذكير بموقف ما، والصور مجرد عملية روتينية عبارة عن طقطقات للضحكات".

ويرى أن الانشغال بالتقاط الصور يجهد المخ ويشنجه -بدل الاسترخاء- بالتفكير المبالغ فيه عن خلفية اللقطة. وبدل الاستمتاع باللحظة يشيع عدم الرضا على نفسية الفرد الذي ينشد الراحة، وبالفعل أحيانا عندما نحاول استعادة التفكير في حدث ما أو موقف ما لا نتذكر تفاصيله كاملة، لانشغالنا بالكاميرا في توثيق صورة جميلة فقط، كما يقول.

التقط صورا أقل

في توثيق اللحظات المثالية يسعى البعض لتخزينها في ذاكرة الهاتف النقال، إلا أن العلم يقول إن التقاط الصور ليس الأداة المثالية للاحتفاظ بالذاكرة كما تعتقد. وبحسب ما نشره موقع "إن بي آر" (npr)، تقول إليزابيث لوفتوس أستاذة العلوم النفسية في جامعة كاليفورنيا-إيرفين إن التقاط كثير من الصور يمكن أن يضر قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالذكريات؛ فأنت تحصل على الصورة، ولكنك تفقد نوعًا ما الذاكرة.

وفي التقرير ذاته، تقول ليندا هنكل أستاذة علم النفس في جامعة فيرفيلد "عندما يعتمد الناس على التكنولوجيا لتذكر شيء ما، فإنهم يستعينون بمصادر خارجية لذاكرتهم، إنهم يعرفون أن الكاميرا الخاصة بهم تلتقط تلك اللحظة، لذا فهم لا ينتبهون لها تمامًا بطريقة قد تساعدهم على التذكر".

وتبين هنكل أنه إذا رغبت في تدوين رقم هاتف شخص ما، فمن غير المرجح أن تتذكره بشكل مرتجل لأن عقلك يخبرك أنه لا داعي لذلك؛ فالهاتف النقال تولى المهمة.

وتم استكشاف تأثير التصوير في دراسة أجرتها هنكل عام 2013؛ وأظهرت أن الناس واجهوا صعوبة أكبر في تذكر القطع الفنية التي شاهدوها في المتحف عندما التقطوا صورا لها، وتم تكرار الدراسة بعد ذلك عامي 2017 و2021.

وتتشابه النتائج التي توصلت إليها هنكل مع تلك التي توصلت إليها دراسة علمية عام 2011 حول تأثير "غوغل"، ووجدت أن الأشخاص لا يتذكرون المعلومات أيضًا عندما يعلمون أن بإمكانهم استردادها لاحقًا من الإنترنت أو من جهاز تم حفظها فيه.

تقول جوليا سواريس أستاذة علم النفس المساعدة في جامعة ولاية مسيسيبي "كما هي الحال مع المعلومات، عندما نلتقط الصور فإننا نضع مسؤولية التذكر على جهاز خارجي".

الطاقة النفسية

بدوره، يقول الاستشاري التربوي النفسي الدكتور خليل الزيود "يحتفظ الدماغ بالذكريات بحكم أمرين: كم هي مفرحة، أو كم هي مؤلمة، وبين هذين الاتجاهين يتعامل الدماغ مع المواقف أو الأحداث التي يلتقطها أو يخزنها".

ويضيف أن "كثرة التقاط الصور تشتت طاقة الإنسان النفسية طبعا، لأن الانسجام النفسي والراحة النفسية والطاقة النفسية والانضباط النفسي والتصالح النفسي؛ هذا كله يتناسب طرديا مع قلة المشتتات من حولنا في البيئة أو في المشهد أو في المحيط الذي حولنا، فهذا التشتت يزيد ويزعجنا".

ويبين أنه "إذا كان الفرد يرغب في الاحتفاظ بكل شيء ويسجل ذلك ويوثقه كتابة أو صورا؛ فعندما يأتي بعد فترة وينبش في تاريخه ومذكراته داخل الهاتف، فتلك الصور تضع هذه المواقف أمامه، ومن ثم يستذكر التفاصيل، وأحيانا تكون مزعجة له".

ويستدرك "لكن اللحظات والمواقف الجميلة مع الأشخاص الرائعين كلما تذكرها الفرد سيشعر بالفرحة الزائد، والدوبامين (هرمون السعادة) يتحرك بشكل جميل وينتشر ويمنحه مشاعر رائعة".

الكاميرا وتشتت الأشياء الجميلة

ويقول الدكتور الزيود: نعم، الكاميرا تشتت الأشياء الجميلة عندما تتابعها مباشرة، ولكن ليس بالضرورة أن يكون هذا الكلام دقيق 100%، لأننا أحيانا نلتقط بعض الصور في لحظات الفرح والنجاح والتخرج، وهذا يمنحنا شعورا جميلا".

ويضيف أنه لا يمكننا القول إن الكاميرا تفسد الذكريات، لكن هذا يعود إلى الموقف؛ فهناك مواقف رؤيتها في تلك اللحظة تحجز لها قيمة في الفؤاد والقلب والعقل، وهناك بعض اللقطات من الجميل توثيقها بالكاميرا حتى يعود لها الفرد في ما بعد.

ويلفت الزيود إلى أن الذكريات الجميلة تسعد الإنسان وتحسن مزاجه وتحفز طاقته، وهذه اللقطات والذكريات عندما يتذكرها الإنسان أو تتحرك داخله أو في عقله ومخيلته، تصبح كأنها ماثلة أمامه، فإذا كانت جميلة فسيفرح كثيرا، وإذا كانت حزينة ستنهمر دموعه.

الصورة والكسل الذهني

ويقول اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين محادين "يجب التذكر أن أدوات التواصل الاجتماعي عموما هي إحدى أذرع التكنولوجيا المعولمة "دول المركز" أو "العالم الأول"، التي رسخت ونشرت مثل هذا السلوك في دول "الهامش" (الدول النامية) بالمفهوم السابق، وذلك كجزء من أهدافها الرامية إلى التحقيق المتدرج لواقع دكتاتورية البصر، "وهي هنا: الصور، والفيديوهات وغير ذلك".

ويعلل ذلك بقوله "لأن البصر هو الحاسة الأكثر تأثرا وتأثيرا عبر ما نشاهده في يومياتنا من جهة، ومن الجهة المتممة أنها وحدها التي تدفعنا إلى التماهي ومحاكاة ما نشاهده".

وبناء عليه، نجد أن الصورة المتابَعة مبعث على إطفاء السؤال والتحليل الناقد لما نشاهده، أي أنها تقود إلى الكسل الذهني وتحول الإنسان إلى متلق يلهث وراء ما يبث له من شركات "الميديا"، وفق محادين.

ويضيف أن الصورة وسرعة بثها للأفراد وبكامل الحرية نسبيا تعمل على إضعاف الشعور الجمعي والقيم الجماعية للمسموح به أو المنهي عنه، ولصالح نمو القيم الفردية كجزء من منظومة الحياة المعاصرة في ظل العولمة الساعية إلى تغير مقاساتنا كمجتمعات هامشية، وفقا لمقاييسها الاجتماعية والثقافية بعد إنجاز خياراتها الاقتصادية.

إغواء الشركات

ويقول محادين إنه يجب ألا ننسى أن أدوات التكنولوجيا التفاعلية، وبحكم ما تتمتع به من ألوان وإمكانية إدخال الأصوات والموسيقى مع الصور أو الفيديوهات المبثوثة، وفي كل الأوقات والمناسبات وبحرية فردية عالية المنسوب؛ إنما تمثل عمليا إغواءً مقصودا من قِبل الشركات المصدرة لها؛ وبالتالي زيادة أعداد المستخدمين والمتفاعلين، مما يضاعف أرباح شركات الاتصالات، كشركات مسوقة أيضا للمنتجات الفكرية والسلعية الاستهلاكية بغض النظر عن أهميتها أو حتى تفاهتها.

ويتابع "كيف لا؟! وهي شركات رأسمالية معلومة، وأصبحت متعدية الجنسيات وليست فقط متعددة الجنسيات. اقتصادات وأفكار تسويقية مستدامة، وبالتالي القيم الفردية ومصاحباتها التعبيرية والصورية الربحية أولا وأخيرا، ولكن عبر أسر المستخدمين وإدمانهم عليها".

التقاط الصور يساعد الذاكرة

وذكر موقع "إن بي آر" أن التقاط الصور يساعد الذاكرة شريطة أن يتم بعناية. وكمثال على فوائد التقاط الصور؛ نعلم من دراسات عديدة أن الصور إشارات ذاكرة جيدة، فإلى جانب التصوير الذي يساعدنا على تذكر الذكريات وجدت دراسة أجريت عام 2017 أن التقاط الصور يمكن أن يعزز ذاكرتنا بالفعل في ظل ظروف معينة.

وتظهر الدراسة أنه في حين أن التقاط صورة قد يكون مشتتًا، فإن الاستعداد لالتقاط صورة من خلال التركيز على التفاصيل المرئية من حولنا له بعض المكاسب.

تقول أستاذة الأعمال في جامعة نيويورك أليكساندرا باراش، المؤلفة المشاركة في الدراسة، إنه عندما يأخذ الناس الوقت الكافي لدراسة ما يريدون التقاط صور له والتركيز على عناصر معينة يأملون تذكرها؛ تصبح الذكريات أكثر عمقا في العقل الباطن.

وفائدة أخرى للصور أنها يمكن أن تساعدنا في تذكر اللحظات بشكل أكثر دقة، لأن ذكرياتنا غير معصومة من الخطأ.

وتوضح هنكل أن الدماغ البشري ليس نظام تخزين سلبيا، إنه نشط وديناميكي، وأدمغتنا لا تصوّر تجاربنا بالفيديو، إنها تبنيها بناءً على معتقداتنا ومواقفنا وتحيزاتنا. وتقول إنه عندما نتذكر شيئًا ما فالذاكرة تعيد بناءه من خلال مرشح المعلومات الجديدة والتجارب الجديدة ووجهات النظر الجديدة؛ بهذه الطريقة تساعدنا الصور أو مقاطع الفيديو في تذكر اللحظات كما حدثت بالفعل.

وتتفق لوفتوس مع هنكل قائلة "تتلاشى الذكريات ويمكن أن تتلوث من دون وجود سجل مرئي يدعمه؛ فالصورة وسيلة ممتازة لإعادة تلك اللحظات".

نصائح لتصوير لا يضر الذكريات

ولجعل التصوير الفوتوغرافي يساعد الذكريات ولا يضرها يمكن اتباع بعض النصائح:

يمكن أن نطلب من شخص آخر التقاط الصور، حتى تتمكن من المشاركة بشكل كامل في الحدث نفسه.

يقول ناثانيال بار أستاذ الإبداع والتفكير الإبداعي في كلية شيريدان: تشير الأبحاث إلى أن تحديد ما يتم تصويره قد يقلل الآثار السيئة على الذاكرة، بل ويعزز الاستمتاع بها.

تقترح هنكل التفكير في سبب التقاط الصورة، وتقول "إذا فكرنا بعناية أكبر في أهدافنا في التقاط الصور يمكننا تحسين ذكرياتنا من تجاربنا".

ركز على التفاصيل، فإذا انغمست في تفاصيل مشهد ما وأنت تستعد لالتقاط صورة، فإن هذه العملية يمكن أن تساعد في ترسيخ الذكريات، وفقًا لباراش من جامعة نيويورك. وتقول "بينما نبحث في المجال البصري لنقرر ما نلتقطه في الصورة، فمن الأرجح أن نسجل هذه التفاصيل بالذاكرة".







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي