روسيا تستعد لضم 4 مدن أوكرانية رسمياً، فلماذا تلك المناطق؟ وهل اقتربت الحرب العالمية الثالثة؟

متابعات الامة برس:
2022-09-21

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الدفاع سرجي شويغو (أ ف ب)

موسكو: يمثل إعلان أقاليم دونباس وخيرسون وزابوروجيا تنظيم استفتاءات للانفصال رسمياً عن أوكرانيا والانضمام إلى روسيا مفترق طرق في الحرب، فما قصة تلك المناطق؟ وما تبعات الخطوة المتوقعة على مسار الحرب؟

وخلال أقل من 24 ساعة، أعلنت جمهورية دونيتسك الشعبية وجمهورية لوغانسك الشعبية، اللتان اعترف بوتين باستقلالهما قبل بداية الهجوم على أوكرانيا بثلاثة أيام فقط، وإقليما خيرسون وزابوريجيا، عن إجراء استفتاءات بشأن الانفصال رسمياً عن أوكرانيا.

المسؤولون في لوغانسك ودونيتسك وخيرسون (التي تمثل معاً إقليم دونباس)، قالوا الثلاثاء 20 سبتمبر/أيلول، إن الاستفتاءات ستُجرى في غضون أيام قلائل، فتبدأ يوم الجمعة 23 سبتمبر/أيلول وتستمر إلى الاثنين 27 سبتمبر/أيلول، فيما بدت أنها إجراءات متفق عليها.

لماذا هذه الأقاليم الأوكرانية تحديداً؟

كانت دونيتسك ولوغانسك قد أعلنتا الاستقلال عن أوكرانيا عام 2014، ووقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مساء الإثنين 21 فبراير/شباط، مرسوماً يعترف باستقلال المنطقتين الانفصاليتين في شرق أوكرانيا، وفي اللحظة نفسها مباشرة وقَّع اتفاقيات تعاون وصداقة، بينما جلس مقابله زعيما المنطقتين المدعومتين من روسيا، جمهورية دونيتسك الشعبية وجمهورية لوغانسك الشعبية.

وتلا ذلك إعلان روسي بأن موسكو لا يمكن أن تسمح بوقوع "حمامات دم" في شرق أوكرانيا، وبالتالي فإن الحل الوحيد هو إرسال قوات روسية إلى إقليم دونباس بغرض "حفظ السلام"، فيما يوصف غربياً بأنه تكرار للسيناريو نفسه الذي تعوَّد الرئيس الروسي على اتباعه في الأزمة الأوكرانية منذ بدايتها.

وترجع فصول الأزمة الأوكرانية إلى أواخر عام 2013، وشهدت منذ ذلك الحين عدة فصول وتجاذبات صعوداً وهبوطاً، حتى وصلت إلى قرارات الاعتراف بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الانفصاليتين.

فالأزمة لا تتعلق فقط بأوكرانيا وما يجري على حدودها الشرقية مع روسيا، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، وتستقر عبر المحيط الأطلسي هناك في البيت الأبيض، إذ تمثل الأزمة في جوهرها صراعاً بين بوتين ونظيره الأمريكي بايدن حول انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو.

وتمثل أقاليم دونباس وخيرسون وزابوروجيا ما يقرب من 15% من أراضي أوكرانيا، أو ما يعادل تقريباً مساحة المجر أو البرتغال، وغالبية سكان تلك المدن يتحدثون الروسية ويحمل كثير منهم جنسية روسيا، وخلال السنوات الثماني الماضية وجهت موسكو اتهامات متكررة لكييف باضطهاد سكان تلك المناطق.

وبالتالي فإن إجراء الاستفتاء في تلك المناطق سيكون حول الاستمرار كدول مستقلة (لا يعترف بها أحد غير موسكو)، أو الانضمام رسمياً إلى الاتحاد الروسي. وفي حالة دونيتسك ولوغانسك، اللتين تمثلان معاً إقليم دونباس ويتحدث أغلب سكانهما اللغة الروسية ونسبة كبيرة منهم روس بالفعل، من المتوقع أن تأتي نتيجة الاستفتاء لصالح الانضمام إلى الاتحاد الروسي، ومن ثم يتقدم رئيسا الجمهوريتين بطلب رسمي إلى بوتين بقبول انضمامهما، ويوافق بوتين ويطلب من الدوما (البرلمان الروسي) إقرار الانضمام.

وفي هذا السياق، قال فياتشيسلاف فولودين رئيس مجلس الدوما، أحد غرفتي البرلمان الروسي، إن المجلس سيؤيد انضمام الأقاليم الأوكرانية التي تنتهي الاستفتاءات فيها بالموافقة على الانضمام إلى روسيا.

وتسيطر روسيا على أغلب أراضي إقليم دونباس، وليس جميعها، والأمر نفسه في إقليم زابوروجيا، حيث توجد أكبر محطة نووية لتوليد الكهرباء في أوروبا، إذ تسيطر القوات الروسية على جزء كبير من المنطقة بينما تسيطر قوات أوكرانيا على جزء أصغر منها. وفي إقليم خيرسون الجنوبي، تسيطر روسيا على المدينة نفسها، لكنها لا تسيطر على الإقليم كاملاً.

ما رسالة روسيا لأوكرانيا والغرب؟

عندما بدأت روسيا الهجوم على أوكرانيا، الذي تصفه موسكو بأنه "عملية عسكرية خاصة" بينما يصفه الغرب بأنه "غزو"، كان الحديث عن ضم أجزاء من أوكرانيا للاتحاد الروسي وارداً بطبيعة الحال، وبصفة خاصة منطقتي لوغانسك ودونيتسك. لكن مع مرور الوقت دون أن تحسم القوات الروسية سيطرتها الكاملة على إقليم دونباس أو أي من الأقاليم الأخرى، في ظل الدعم الغربي لأوكرانيا، تراجع الحديث نسبياً بشأن ذلك السيناريو.

لكن التطورات الميدانية خلال سبتمبر/أيلول الجاري، والاختراقات التي حققتها القوات الأوكرانية في منطقة خاركيف، والتي أجبرت القوات الروسية على الانسحاب للمرة الأولى منذ بدأت الحرب يوم 24 فبراير/شباط الماضي، غيرت على الأرجح خطط بوتين بشأن النتيجة النهائية للحرب.

وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف لدى سؤاله عن الاستفتاءات المزمع عقدها، قال: "من بداية العملية… قلنا إن شعوب الأراضي المعنية يجب أن تقرر مصيرها، والوضع الراهن كله يؤكد أنها تريد أن تكون سيدة مصيرها".

وأيد دميتري ميدفيديف، الذي شغل منصب رئيس روسيا من عام 2008 إلى عام 2012، ويشغل الآن منصب نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، الاستفتاءات التي قال إنها ستغير مسار التاريخ الروسي وتتيح للكرملين المزيد من الاختيارات للدفاع عما قال إنه سيصبح أرضاً روسية.

وقال ميدفيديف في منشور على تيليغرام: "التعدي على الأراضي الروسية جريمة تتيح استخدام جميع قوات الدفاع عن النفس". وأضاف أن "هذا هو سبب الخوف من هذه الاستفتاءات في كييف والغرب".

وأضاف: "المهم بالقدر نفسه أنه بعد التعديلات على دستور دولتنا لن يكون أي رئيس لروسيا في المستقبل، لن يكون (أي) مسؤول قادراً على الرجوع عن هذه القرارات"، بحسب رويترز.

جنود روس في أوكرانيا (أ ف ب) 

وقالت تاتيانا ستانوفايا مؤسسة مركز التحليلات السياسية آر.بولوتيك: "كل هذا الكلام عن استفتاءات إنذار لا يشوبه أي غموض من روسيا لأوكرانيا والغرب".

فضم موسكو رسمياً جزءاً إضافياً كبيراً من أوكرانيا يعني بالضرورة أن بوتين يقول للغرب إنه مستعد تماماً لمواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. فالعقيدة النووية الروسية تسمح باستخدام الأسلحة النووية إذا استُخدمت ضدها أسلحة دمار شامل أو واجهت الدولة الروسية تهديداً وجودياً باستخدام أسلحة تقليدية.

والجمعة 16 سبتمبر/أيلول، تحاشى بوتين ذكر الهجوم المضاد الخاطف، الذي نفذته القوات الأوكرانية في الأسابيع الماضية، وتحدث عن الصراع الجاري واصفاً إياه بأنه محاولة روسية لمنع ما قال إنها مؤامرة غربية لتفكيك روسيا وتدميرها.

ووافق البرلمان الروسي، الثلاثاء، على قانون يشدد العقوبات على مجموعة من الجرائم مثل الفرار من الخدمة والإضرار بالممتلكات العسكرية والعصيان إذا ارتُكبت خلال التعبئة العسكرية أو الأوضاع القتالية.

وجهة النظر الروسية إذاً ترى الحرب الحالية بالفعل على أنها تنافس مع الغرب الذي يقولون إنه أرسل إلى أوكرانيا أسلحة متقدمة، ويساعد في توجيه القوات الأوكرانية بالمعلومات المخابراتية والتدريب، وهو ما يؤدي بالتبعية إلى قتل الجنود الروس. وبالتالي فإن الرد هو الاستفتاءات في المناطق ذات الأغلبية السكانية الأقرب لموسكو، لتصبح رسمياً أراضي روسية.

ماذا يعني ذلك لمسار الحرب؟

ترى أوكرانيا أن التهديد بالاستفتاءات "ابتزاز ساذج"، ودليل على أن روسيا في حالة فزع، وقال أندريه يرماك مدير مكتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي: "هذا هو ما يعنيه الخوف من الهزيمة… أوكرانيا ستحل القضية الروسية… يمكن اجتثاث التهديد فقط بالقوة".

وتقول أوكرانيا إنها لن تهدأ قبل طرد آخر جندي روسي من أراضيها. وتقول كييف إنها لن تقبل سيطرة روسيا على أراضيها، ودعت الغرب إلى تزويدها بأسلحة أكثر وأفضل من أجل قتال القوات الروسية.

ومن جانبه، كان الرئيس الأمريكي جو بايدن قد حذر في مارس/آذار الماضي من أن مواجهة مباشرة بين حلف الناتو وروسيا سيكون معناها نشوب حرب عالمية ثالثة. ويحرص بايدن وقادة الحلف العسكري الغربي الآخرون على القول إنهم لا يريدون أن تخوض قوات الحلف صراعاً مباشراً مع القوات الروسية.

مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية قال، تعليقاً على الاستفتاءات، إنه ستكون هناك عواقب إضافية إذا ضمت روسيا أجزاءً من أوكرانيا: "لقد أوضحنا أنه سيكون هناك المزيد من العواقب. لدينا… عدد من الأدوات".

كما دعا أمين عام حلف الناتو، ينس ستولتنبرغ، المجتمع الدولي لإدانة الاستفتاءات، وقال عبر تويتر: "الاستفتاءات الصورية ليست لها شرعية ولا تغير طبيعة العدوان الروسي على أوكرانيا"، واصفاً الخطوة بأنها "تصعيد في حرب (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين".

كما ندد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالاستفتاءات، واصفاً إياها بـ"المهزلة"، واعتبر ماكرون، في حديثه للصحفيين على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن "أي استفتاء بشأن الضم لن تكون له أهمية من الناحية القانونية. أعتقد أن ما أعلنت عنه روسيا مهزلة، واستفزاز جديد… لن يؤثر على موقفنا. وأضاف: "إن فكرة تنظيم استفتاءات في مناطق تشهد حرباً، وتتعرض لقصف، هي قمة السخرية"، بحسب تقرير للأناضول.

هناك إذاً إجماع على أن خطوة الاستفتاءات تمثل مفترق طرق في الحرب الأوكرانية، وعلى الأرجح ستتجه الأمور نحو التصعيد، وفي هذا السياق يأتي إعلان بوتين التعبئة الجزئية فوراً، قائلاً: "بلدنا أيضاً لديها أدوات تدمير متنوعة، وبعضها أحدث مما تمتلكه بلدان الناتو، وإذا ما تعرضت سلامة أراضينا للتهديد سوف نستخدم جميع الوسائل المتاحة لنا لحماية روسيا وشعبها". واعتبر تقرير لشبكة CNN الأمريكية خطوات بوتين إيذاناً ببدء فصل جديد من الحرب في أوكرانيا عنوانه التصعيد.

إذ إن نتائج الاستفتاءات في لوغانسك ودونيتسك وخيرسون وزابوروجيا، قياساً على الاستفتاء في شبه جزيرة القرم عام 2014، تعتبر محسومة بطبيعة الحال. إذ صوت 97% من سكان الإقليم على الانفصال عن أوكرانيا والانضمام لروسيا، وهو المتوقع حدوثه أيضاً في الاستفتاءات الأربع التي ستبدأ الجمعة 23 سبتمبر/أيلول.

وما أن تتم خطوة الاستفتاءات وتعلن روسيا رسمياً ضم تلك المناطق إليها، تصبح جزءاً من الاتحاد الروسي، وبالتالي تخضع للحماية الكاملة تحت مظلة "جميع الوسائل المتاحة" لأقوى دولة نووية على الكوكب، فهل أصبحت الحرب العالمية الثالثة على الأبواب، كما حذر الرئيس الصربي، ألكسندر فوتشيتش؟

فوتشيتش قال، الثلاثاء 20 سبتمبر/أيلول، في مقابلة مع هيئة الإذاعة والتلفزيون العامة لصربيا: "أعتقد أننا منذ مرحلة العملية العسكرية الخاصة نقترب من حرب كبرى، والسؤال الآن هو أين تقع الحدود؟ وما إذا كنا سنذهب بعد فترة، ربما خلال شهر أو شهرين، إلى صراع عالمي كبير لم يسبق له مثيل منذ الحرب العالمية الثانية!".







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي