المهاجل الشعبية.. أهازيج اليمنيين تعاني ضعف التوثيق وغياب الرواد

2021-03-04 | منذ 3 شهر

صمدت لقرون عدة لكنها اليوم أمست على وشك الانقراض

وهيب المقرمي – عدن

"اليوم والله والله دايم

ياشهر نيسان أين المسايل

ياطير غني فوق الخمائل

فالورد يرقص والغصن مائل"

(المسايل: مرادف "السيول" في اللهجة اليمنية، والأصايل: يقصد بهن النساء ذات الأصل والحسب والنسب العاملات في الحقول).

بهذه الأهازيج من "مهاجل" قليلة يتذكرونها عن أجدادهم يبدأ الفلاحون موسم الحصاد في أحد الأرياف اليمنية، وتختلف ألفاظ هذه المهاجل عن تلك التي تردد في البناء، أو السفر، أو الصيد، أو الحفر، أو الحرث. وتتفق في أنها تؤدي للتحرك والاندفاع في العمل بطريقة تعاونية جماعية.

وكأحد أشكال الموروث الثقافي الشفهي الشعبي تأثرت المهاجل كغيرها من فنون الأدب الشعبي بالحالة الثقافية للمجتمع اليمني عبر التاريخ، وفقا لعاملي الزمان والمكان كما يقول عبد الجبار جويبر المختص بالتراث الثقافي اللامادي في حديثه للجزيرة نت.

 جمود ثقافي

ويشير جويبر لكون المشهد الثقافي في الوقت الراهن يمر بفترة نكوص مخيب للآمال وركود مخيف أوجد أسوارا حقيقية وعقبات متتالية أمام كل الاتجاهات الثقافية وتفاقم أكثر منذ ما يزيد على عقد من الزمن، وزادت حدته بالحرب كثيرا، ولم يعد هناك حراك ثقافي كما في السابق، فليست هناك مطبوعات، ولا أمسيات أدبية، ولا معارض تشكيلية.

كما أن المسرح تعطل تماما واختفت المهرجانات الفنية والسهرات الغنائية، وليس الحال ببعيد عن التراث الثقافي والموروث الشفهي اللذين تعرضا لهزات كبيرة وموجات شديدة من الخراب والضياع أكثر من أي قطاع آخر في البلاد، فطال النهب والتدمير المواقع الأثرية، واختفت الكثير من المخطوطات والكنوز، وتراجع التوثيق والجمع والبحث والنشر للموروث الثقافي الشفهي المتوارث منذ قرون، فكانت المهاجل أشد تأثرا ودفعت لذلك ثمنا باهظا.

من جهته يرى الإعلامي والباحث في التاريخ محمد المسني بأن المهاجل الشعبية تمثل ذاكرة سياسية واجتماعية وتعبيرا صادقا عن وجدان الناس وحالهم سواء كان فرحا أو حزنا، كما تدل على نمط تفكيرهم ورؤيتهم لحلول مشاكلهم، وهي حالة شعورية تهز النفس وترقى بها كوقائع تاريخية كان من المفترض على وزارة الثقافة توثيقها، لكنها غائبة تماما عن المشهد، بحسب المسني.

في صورة

ولطالما كانت المهاجل الحلقة الأهم في الموروث الشفهي الشعبي الذي تفرد به الإنسان اليمني، وجعله رفيقه وأنيسه في أعماله وترحاله منذ القدم، كما تشير الباحثة الأكاديمية في الموروث الشفهي الشعبي نجيبة الفقيه.

وتكمل الفقيه معتبرة أن المهاجل "مثلت لسان حال اليمني وسلوانه وصوته الذي يستطيع من خلاله التعبير عن مكنونات نفسه وآماله ومخاوفه بطريقة نظمية متناسقة ومتعددة حسب الحاجة التي تقتضيها والموقف الذي تتلاءم معه، فهناك ما يختص بالبناء، وهناك ما يذكر في الزراعة، وهناك ما يعنى بالصيد والأسفار، فعبرت منذ أزل الدهر عن تفاعل اليمني الغريزي بمجتمعه وعشيرته، وربط الأجيال بعضها ببعض".

وقد تناقلها الأبناء عن الآباء كطقس يمارس عبر الأزمان يولد حالة شعورية حقيقية بالانتماء للأرض والشعب والتاريخ، كحلقة وصل ثقافية وروحية بين اليوم والأمس، تحقق الإحساس بالهوية المحلية الوطنية وتوجد حالة من التقارب والتجانس بين الناس، بحسب الأكاديمية اليمنية.

وتضيف "رغم أن المهاجل صمدت لقرون عدة لكنها اليوم أمست وشيكة الاندثار لجملة من الأسباب أهمها غياب الوعي بأهمية الموروث الشفهي الشعبي، واختلاف نمط العيش التقليدي وممارسة أنشطة جديدة أفرزتها رياح التمدن، كما أن ضعف التوثيق والبحث والفرز للمهاجل أدى إلى ضياع الكثير منها بعد رحيل الرعيل الأول من المعمرين وكبار السن الذين تعاقبوا على حفظها وتلقينها من الآباء إلى الأجداد".

دور محدود

وكيل وزارة الثقافة عبد الهادي العزعزي ، يقول: إن اندثار المهاجل في أماكن كثيرة يعود إلى حالة التغيير القائم بأسلوب الحياة بشكل عام، إضافة لغياب الدور الرسمي والحكومي لوزارة الثقافة والجهات الثقافية المختلفة مما أسهم بشكل كبير في تغييبها وإيصالها إلى شفا الاندثار في كثير من مناطق البلاد في وقتنا الحاضر، فكانت نتائج ذلك وخيمة .

ويضيف العزعزي أن المسؤولية تقع على عاتق الوزارة والجهات الثقافية بدرجة أولى للحفاظ على هذا الموروث وبعثه، فالمهاجل بحاجة لجهود متظافرة ومشروع وطني على مدى 10 سنوات على الأقل من خلال برامج تحث على استخدامها والاعتزاز بها كونها جزءا أصيلا من حياة الإنسان اليمني، ويحتاج ذلك لميزانية تفوق تلك الخاصة بالوزارة ذاتها لإعادة الحياة لموروث ثقافي يحتضر وهو ما لا يتوفر في قائمة أولوياتها وإمكانياتها في هذا الوقت للأسف.

ويشير إلى أن الحرب جعلت الوزارة تركز على التراث المادي بدرجة أساسية، وأهمل الموروث الشفهي الشعبي فأقيمت فقط 3 مهرجانات خلال 6 سنوات اقتصرت على التذكير بالتراث الثقافي بشكل عام.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي