إلى لجان مقاومة بورتسودان وضمير المدينة
2021-06-13 | منذ 1 شهر
محمد جميل أحمد
محمد جميل أحمد

طالما تكلمنا وذكرنا أن تجدد العنف في مدينة بورتسودان لمرات عدة، أمر سياسي أمني بامتياز، مهما تصور البعض أنه اقتتال أهلي وصراع قبلي بين بعض المكونات.

صحيح أن تسييس الإدارة الأهلية الذي أسس له وكرسه المؤتمر الوطني البائد، ليكون نظاماً لممارسة السياسة عبر القبائل منذ ثلاثين سنة، لعب دوراً كبيراً في إفساد المجال العام، وصحيح أن نظام العصبية بين قبائل البجا في بورتسودان، وهو النظام الأكثر تطرفاً وانغلاقاً وعزلة من بين نظم العصبية في المنظومات القبلية للسودانيين، مضافاً إلى ذلك أن الإهمال العام لإقليم البجا (شرق السودان) من قبل الحكومات المتعاقبة، أمور فرخت جهلاً وعزلة لعبا دوراً كبيراً في ذلك، لكن أيضاً أن الحقيقة الساطعة تدل اليوم دلالة واضحة، ومن خلال معطيات وخلاصات وملاحظات دقيقة، على أن هناك عنصرين أساسيين لهما الدور الأكبر في استمرار هذه الفتنة ومحاولات الدفع بها إلى نقطة اللاعودة أي إلى الحرب الأهلية الشاملة لا سمح الله.

ونتصور أن الأسئلة التي نفترضها هنا ربما تكون كافية للدلالة على ما نقول.

لقد بدأت فتنة الاقتتال الأهلي في بورتسودان تزامناً مع فض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم يوم 3 يونيو (حزيران) 2019، وكان واضحاً، آنذاك، أن بقايا نظام البشير في اللجنة الأمنية لولاية البحر الأحمر من ناحية، إلى جانب شخصيتين من أهل بورتسودان لهما وزن كبير في النظام البائد، هما من يخطط للفتنة ويسعى بنشاط ودعم كبيرين عبر وجودهما خارج السودان، من ناحية ثانية. وبالتالي، استصحاب تأثيرهما في أعمال الفتنة عبر التحريض على الاقتتال الأهلي بين بعض مكونات المدينة، ونشاطهما في الثورة المضادة في شرق السودان لا يحتاج إلى إثبات بطبيعة الحال.

والسؤال هو، إذا افترضنا أن بقايا نظام البشير في اللجنة الأمنية هم من تسببوا في إثارة الفتنة في مدينة بورتسودان وأن تجدد الاقتتال الأهلي أمر مفهوم نسبة إلى حرص من تسببوا في إشعال الفتنة على استمرارها، بالتواطؤ مع جهات عسكرية في المركز (الخرطوم)، فكيف يمكننا تفسير استمرار الاقتتال الأهلي في مدينة بورتسودان في ظل حكم والٍ محسوب على حكومة الثورة، بعد مرور سنة تقريباً على تعيينه والياً لولاية البحر الأحمر؟

وإذا كان واضحاً، بحسب إفادة ضابط شرطة، عبر مصادر خاصة، أن التعليمات الموجهة إلى الشرطة هي الوصول إلى مكان الاشتباكات من دون التدخل أو الحماية، وبالتالي السؤال الذي يفرض نفسه ما هي وظيفة الشرطة إن لم تكن حماية الشعب؟

وفي ثبوت تورط أفراد من الجيش في الاشتباكات المتجددة بصورة واضحة في مختلف مراحل تلك الاشتباكات الأهلية منذ سنتين من دون أن تكون هناك محاكمات تتناسب مع عدد اللذين تورطوا في الفتنة من عناصر الجيش، كيف يمكننا فهم ذلك؟

وكيف يمكننا فهم غياب أي محاكمات وعقوبات حيال الذين تورطوا في الفتنة من عناصر نظام البشير داخل المنظومة الأمنية لولاية البحر الأحمر، وهذا يتضح من علامة بداية الفتنة وتجددها عبر الاقتتال الأهلي لأكثر من سبع مرات، على الرغم من وصول محققين من الخرطوم لهذه المهمة، وتكوين أكثر من لجنة لذلك؟

لماذا يسمح الوالي لجسم سياسوي أهلي بإقامة ندوات في نادي عام ومشهور في المدينة يتحدث فيها عنصريون، بل ويتحدث أحد أولئك العنصريين بلغة راطنة يصرح فيها بنية "إزالة أحد مكونات المدينة من الحياة"، في إشارة واضحة إلى دق طبول الحرب الأهلية، من دون أية مساءلات من الوالي أو اتخاذ إجراءات قانونية ضد ذلك؟

لماذا لم يتخذ الوالي إجراءات قانونية ظاهرة بحق متفلتين من أنصار الثورة المضادة اقتحموا مقر لجنة إزالة التمكين في بورتسودان وعبثوا بمحتويات مقرها وتعاملوا بخشونة مع بعض أعضائها، ويتم بذلك نتائج تلك الإجراءات إن وجدت للرأي العام؟

لماذا لا تقدم وسائل الإعلام في ولاية البحر الأحمر، وبخاصة فضائية البحر الأحمر الحكومية، برامج توعية جادة وتخصيص خلية أزمة لمعالجة هذه الاحتقانات واستضافة شخصيات وطنية نزيهة تمتلك الوعي لتحليل جذور هذه الأزمات وتوصيف الحلول من المكونات كلها؟

هذه الأسئلة، وغيرها، تظل حتى الآن بلا إجابات، وبالتالي ستحيل بالضرورة على علامات استفهام حقيقية حول قصور أداء والي البحر الأحمر وحكومته عن واجبات كثيرة، أهمها على الإطلاق حفظ الأمن والاستقرار في أحياء المدينة.

وإذا ما بدا لنا واضحاً، أنه من خلال ردود فعل سلبية للحكومة والوالي حيال نشاطات وظواهر خطيرة ومهددة للسلم الأهلي، تستحق من الحكومة كطرف وحيد حاكم ومسؤول عن الاستقرار،  أن تتخذ بصددها قرارات حازمة، فإنه من الأهمية بمكان ألا يسكت المواطنون أصحاب المصلحة الحقيقية في السلم الأهلي أمام ذلك الإهمال الحكومي الخطير، لأنه إهمال ستنتج منه كوارث حقيقة ضارة بالجميع.

وعليه، نتصور في ظل تقصير الحكومة في أهم واجباتها بسط الأمن، أنه من الأهمية بمكان بل ومن الضرورة الملحة أن تتحرك القوى الوطنية والثورية في المدينة، وهي للأسف قوى خفت صوتها بصعود ظواهر العصبية والنعرات القبلية والاقتتال الأهلي في بورتسودان، ونقصد بذلك تحديداً لجان مقاومة بورتسودان، ولجان الأحياء والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وناشطي المكونات المدنية والرياضية والفنية والشخصيات العامة، عبر تنظيم اعتصامات سلمية في مدينة بورتسودان، للضغط على إهمال الحكومة والتعبير عن وعيهم بأهمية السلم الأهلي الذي يحفظ لهم مصالحهم كمواطنين من المكونات الأهلية كلها، فالتقاعس عن هذا الواجب مهما ظن البعض أنه غير مهم من الذين هم قادرون عليه، سيكون علامة أساسية للمصير المحتمل الذي سيواجه المدينة، ونعني بذلك أنه في حال تحمل جميع مكونات المدينة مسؤولياتهم الوطنية في زمن الثورة، وأدركوا أهمية سلمهم الأهلي ودافعوا عنه كما يجب في وجه كل من يهدد باختطاف السلم الأهلي، عندها ستتحقق مصالح كثيرة، أما في حال تقاعسهم عن ذلك الواجب المستحق، وهو واجب يمكن يتحقق بأدوات سلمية وجهود جماعية، فإن ما سينتظرهم من مستقبل خطير ومرعب سيكون مسألة وقت للأسف.

ذلك أن الذين لا يدركون خطورة المصير المحتمل للمدينة في ظل استمرار موجات الاقتتال الأهلي فيها على مدى سنيتن، وسعي عناصر الثورة المضادة من أجل خيار شمسوني يدمر الجميع، عبر الاستثمار في الجهل والعصبية في أوساط العوام والأبرياء من قبائل البجا، أقول إن الذين لا يدركون ذلك ويتعامون عنه عليهم أن يفيقوا من سكرتهم ويدافعوا عن سلمهم وسلم مدينتهم، ويستبقوا الأحداث لقطع الطريق على العنصريين الذي يروجون خطاباً للكراهية ستكون نتيجته الأكيدة في حال عدم التصدي له، قيام حرب أهلية لا محالة.

إن الذين هم اليوم أكثر قدرة على مقاومة خطاب الكراهية في المدينة، وأكثر استبصاراً بالمآل الخطير لهذا الخطاب على مصير المدينة، وأكثر قدرة بقوتهم واتحادهم على العمل معاً من أجل مصالحهم الحقيقية كمواطنين في المدينة عبر الأدوات والوسائل السلمية، وأعني بذلك تحديداً لجان مقاومة بورتسودان ولجان الأحياء والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وناشطي المكونات المدنية والرياضية والفنية والشخصيات العامة، هؤلاء كافة نقول لهم إنكم اليوم أكثر قدرة وتمكناً للقيام بمثل ذلك الاعتصام السلمي الذي شهدنا نماذجه الناجحة في دارفور، والذي سيؤدي بالضرورة إلى تحسين الأوضاع في مدينة بورتسودان وربما في شرق السودان كله،  وإذا فشلتم وعجزتهم فيما أنتم قادرون عليه بسهولة، وأنتم اليوم تستطيعون وقادرون، فسيأتي اليوم الذي لن تقدروا فيه على ذلك، وحينها لن ينفع الندم حين يعم الشر وتنتشر الفوضى وعند ذلك لن ينجو أحد.

على جميع أولئك المعنيين بالسلم الأهلي من المكونات المدنية والأهلية والسياسية كلها في مدينة بورتسودان أن يدركوا أن الحشود القبائلية التي ينشط فيها بعض الزعماء القبليين هي أخطر ما يتهدد السلم الأهلي، لسبب بسيط وهو أن خطاب الكراهية والعنصرية وإن تغلف بشعارات زائفة في نشاط تلك الحشود، هو تحديداً مطية تعبر عن نشاط الثورة المضادة، أي عودة النظام القديم، لأنهم في سبيل العودة مرة أخرى لن يتورعوا عن حرق الإقليم الشرقي بأكمله بعد أن أحرقوا دارفور وجنوب السودان والنيل الأزرق وجبال النوبة، إبان سلطتهم.

وأخيراً، أقول لتلك الأجسام المدنية ولمواطني بورتسودان، أنتم جميعاً تعلمون علم اليقين أنه قبل يوم 3 يونيو 2019 لم يكن في المدينة أي حروب أو نزاعات بين المكونات الأهلية فيها، لا بسبب أراض ولا بسبب عداوات سابقة بين القبائل، ثم أنتم تعلمون اليوم وترون أن المدينة منذ ذلك التاريخ يجرها الأشرار من بقايا جهاز أمن البشير ورموز النظام البائد، عبر صناعة الفتن بين المكونات القبيلة إلى حرب أهلية، وذلك من أجل عودة نظامهم المجرم، فإذا أصبحتم على يقين من ذلك فما الذي يجعلكم اليوم تمنعون عن واجبكم في حماية سلمكم الأهلي ومصالحكم في الأمن عبر الاعتصامات السلمية للضغط على الحكومة وصانعي القرار إلى احترام مصالحكم تلك والكف عن التقاعس والتقصير؟

إن من يرى الثعابين في بيته ثم ينشغل بألوانها الزاهية عن خطرها المميت، هو كمن يعطي السكين لجزاره ويسلم نفسه طواعية للذبح!

 

*كاتب سوداني

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن الأمة برس



مقالات أخرى للكاتب

  • إثيوبيا والتداعيات الجيوسياسية لعملية "إنفاذ القانون"
  • مصائر وتحديات الثورة المضادة بعد 30 يونيو
  • بورتسودان.. سيرة مدينة يسكنها الموت

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي