أكبر شعب لاجئ في العالم.. آلاف الأفغان يفرون من بلادهم، فأين يذهبون بعدما أوصد الجميع أبوابه أمامهم؟

عربي بوست - الأمة برس
2021-08-02 | منذ 3 شهر

موجة لجوء جديدة تشهدها أفغانستانللمرة الخامسة، تتشكل موجة جديدة من اللاجئين الأفغان، بدأوا يفرون من البلاد مع تقدم حركة طالبان، ولكن على عكس الموجات السابقة لا أحد يريد استقبالهم هذه المرة.

فقبل أكثر من 20 عاماً، كان الفرار الأول للحاج ساخي من بلده أفغانستان مع السيطرة الأولى لحركة طالبان الأفغانية على البلاد في التسعينيات. دفعه الخوف على مصير بناته الثلاث وقتها إلى الخروج بعائلته والانطلاق في الطرق الترابية الوعرة إلى باكستان، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The New York Times الأمريكية.

بعدها بما يقرب من عقد من الزمان، وفي أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة لإطاحة حكم طالبان، عادت العائلة إلى العاصمة كابول. لكن الآن، وفي ظل اجتياح طالبان لمناطق واسعة من البلاد مع انسحاب القوات الأمريكية، عاد الخوف ليتملَّك من ساخي، الذي بات في الثامنة والستين من عمره، إزاء عودة العنف الذي شهده من قبل، والذي دفعه إلى القول إنه لن ينتظر وقتاً طويلاً قبل أن يغادر بعائلته مرة أخرى.

في جميع أنحاء أفغانستان، تفشَّت حُمّى النزوح الجماعي مع استمرار حركة طالبان في حملتها العسكرية، التي سيطرت خلالها على أكثر من نصف المقاطعات الأربعمائة في البلاد، وفقاً لبعض التقديرات. كما تفاقمت المخاوف من عودة قاسية إلى حكم متشدد أو حرب أهلية دامية بين الميليشيات على أساس عرقي.

موجة جديدة من اللاجئين الأفغان
حتى الآن، شهد هذا العام نزوح نحو 330 ألف أفغاني، أكثر من نصفهم فرَّوا من ديارهم منذ أن بدأت الولايات المتحدة انسحابها في مايو/أيار، وفقاً للأمم المتحدة.

وتدفق كثيرٌ من هؤلاء على مخيمات مؤقتة أو احتشدوا في منازل أقاربهم في المدن، وهي آخر الجزر التي تسيطر عليها الحكومة الأفغانية في عديد من المقاطعات، فيما يحاول آلاف غيرهم تأمين جوازات سفر وتأشيرات لأنفسهم ولذويهم للرحيل عن البلاد تماماً. وتكدَّس آخرون في شاحنات صغيرة تابعة للمهربين في محاولةٍ يائسة للتسلل بطريقة غير قانونية عبر الحدود.

في الأسابيع الأخيرة، ارتفع عدد الأفغان الذين عبروا الحدود بطريقة غير قانونية بنحو 30 إلى 40% مقارنة بالفترة التي سبقت بدء انسحاب القوات الدولية في مايو/أيار، وفقاً لبيانات منظمة الهجرة الدولية، التي أشارت أيضاً إلى أن البلاد الآن يفر منها ما لا يقل عن 30 ألف شخص كل أسبوع.

موجة جديدة من اللاجئين الأفغان
يُنذر تفشي الهروب المفاجئ عادةً بأزمة لاجئين تلوح في الأفق، كما تحذر وكالات الإغاثة الدولية. كما ثارت مخاوف في البلدان المجاورة لأفغانستان وفي أوروبا من أن العنف الذي تصاعد منذ بدء الانسحاب بدأت تنتشر تداعياته بالفعل عبر حدود البلاد، حسب تقرير The New York Times.

نازحون فروا من قندهار بسبب القتال بين حركة طالبان وقوات الأمن الأفغانية. المصدر: إي بي إيه/ محمد صادق.

وفي هذا السياق، قال بابار بالوش، المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في وقت سابق من هذا الشهر: إن "أفغانستان على شفا أزمة إنسانية أخرى. والفشل في التوصل إلى اتفاق سلام في البلاد والعجز عن وقف العنف الحالي سيؤدي إلى مزيد من النزوح عنها".

تاريخ طويل من الهجرة الجماعية وأكبر شعب لاجئ
تمتلك البلاد تاريخاً طويلاً مع الهجرات الجماعية المفاجئة التي تعود إلى فترات عديدة سابقة من تصاعد الاضطرابات: فقد خرج ملايين من أفغانستان في السنوات التي أعقبت الغزو السوفيتي في عام 1970. وبعد عقد من الزمان، فرَّ المزيد مع انسحاب السوفييت وسقوط البلاد في حمأة الحرب الأهلية. واستمرت الهجرة الجماعية مع فرض طالبان سيطرتها على البلاد ووصولها إلى الحكم في عام 1996، قبل أن تشهد البلاد موجات من الهجرة الجماعية مع غزو الولايات المتحدة للبلاد واحتلالها في عام 2001.

أي شهدت البلاد نحو أربع موجات للهجرة، وها هي الخامسة قد بدأت.

يشكِّل الأفغان حالياً أكبر عدد من اللاجئين وطالبي اللجوء في العالم –نحو 3 ملايين شخص– ويأتون في المرتبة الثانية بين أكبر عدد من طالبي اللجوء إلى دول أوروبا، بعد السوريين.

ولكن لا أحد يريد استقبالهم هذه المرة
والآن تنجرف البلاد إلى شفا فصلٍ دموي آخر، لكن التدفق الجديد للأفغان يأتي في ظل حالةٍ من تشدد المواقف تجاه الهجرة والمهاجرين في جميع أنحاء العالم الغربي.

بعد إبرام اتفاقية إعادة توطين في عام 2016 لوقف الهجرة من البلدان المنكوبة بالحروب، رحَّلت أوروبا عشرات الآلاف من المهاجرين الأفغان.

وتعيد ألمانيا طالبي اللجوء المرفوضة طلباتهم قسراً إلى أفغانستان منذ نهاية عام 2016. في حين أن بعض الدول الأوروبية الأخرى تقوم بترحيل أولئك الذين أدينوا بارتكاب جرائم خطيرة فقط.

ووصل الأمر إلى ترحيل الأطفال القصر، ويرى العديد من جماعات حقوق الإنسان أن قيام المملكة المتحدة وغيرها من البلدان الأوروبية الأخرى بالترحيل القسري للأطفال الأفغان المهاجرين يعرضهم للخطر، قائلة إن هذه الإجراءات يجب أن تتوقف على الفور.

واضطرت تركيا، إلى جانب باكستان وإيران، المجاورتين لأفغانستان واللتين تستضيفان معاً نحو 90% من الأفغان النازحين في جميع أنحاء العالم، إلى إجبار مئات الآلاف على العودة وترحيل أعداد غير مسبوقة من الأفغان في السنوات الأخيرة.

ثم جاءت قيود كورونا لتجعل الهجرة بوجهيها القانوني وغير الشرعي أشقَّ من ذي قبل؛ حيث أغلقت البلدان حدودها وقلّصت الأعداد المقبولة في برامج اللاجئين، ما دفع آلاف المهاجرين إلى السفر إلى أوروبا عبر طرقٍ أوعر وأخطر.

في الولايات المتحدة، أدى التراكم المتزايد لأعداد المتقدمين لبرنامج تأشيرة الهجرة الخاصة- المتاح للأفغان الذين يواجهون تهديدات بسبب تعاونهم مع الحكومة الأمريكية– إلى ترك ما يقرب من 20 ألف أفغاني مؤهل وعائلاتهم عالقين في غياهب النسيان البيروقراطي في أفغانستان. وتعرضت إدارة بايدن لضغوط شديدة لحماية المتعاونين الأفغان مع الولايات المتحدة، لا سيما مع سحب الأخيرة لقواتها ودعمها الجوي وسط اجتياح قوات طالبان للبلاد.

يعملون في إيران لادخار الأموال للهجرة لأن البقاء في بلادهم أخطر من الغربة
يقول مواطن أفغاني يُدعى عبدالله، وهو يبلغ من العمر 41 عاماً، ويعمل بقيادة سيارة أجرة بين كابول وغزنة: "محاولة المغادرة بطريقة قانونية أمرٌ مكلف، والرحيل بطريقة غير قانونية أمرٌ خطير. لكن في الوقت الحالي، بات البقاء في البلاد أخطر بكثير".

في أقصى غربي البلاد، تتوافد أعداد كبيرة من الأفغان على مدينة زَرنج، التي تعد مركز الهجرة غير الشرعية في ولاية نيمروز الواقعة جنوب غربي أفغانستان، وتخرج منها شاحنات المهربين المتسللة جنوباً عبر الأراضي الحدودية إلى إيران كل يوم.

في مارس/آذار الماضي، غادرت نحو 200 سيارة إلى الحدود الإيرانية يومياً من زَرنج، بزيادة قدرها نحو 300% عن عام 2019، وفقاً لما يشير إليه ديفيد مانسفيلد، وهو باحث في شؤون الهجرة ومستشار في المعهد البريطاني للتنمية الخارجية. وبحلول مطلع يوليو/تموز، ارتفع هذا العدد ليبلغ نحو 450 سيارة تتجه إلى الحدود الإيرانية كل يوم.

أولئك الذين يستطيعون تحمل تكاليف الأمر يدفعون آلاف الدولارات للسفر إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا. لكن الغالبية بالكاد يدفعون على دفعات، وأولاً بأول، للمهربين من أجل الانتقال للعمل بطريقة غير قانونية في إيران حتى يتمكنوا من تحمل تكاليف المحطة التالية من الرحلة، وفقاً للصحيفة الأمريكية.

دول مجاورة أبدت استعدادها لاستقبال بعضهم
في طاجيكستان، أعلن المسؤولون مؤخراً أن البلاد مستعدة لاستضافة نحو 100 ألف لاجئ أفغاني، بعد أن استقبلت قرابة 1600 أفغاني هذا الشهر.

وأعربت دول مجاورة أخرى عن استعدادها لاستضافة مزيد من الأفغان النازحين، لكن الوقائع على الأرض تكشف تعزيز هذه البلاد لأمن حدودها ونشر التحذيرات من أن اقتصادها لا يستطيع التعامل مع تدفق جديد للاجئين.

ودعا قادة في دول وسط أوروبا إلى زيادة الأمن الحدودي لبلادهم أيضاً، خشية أن تتضخم موجة الهجرة الجماعية الحالية إلى أزمة مماثلة لتلك التي حدثت في عام 2015 عندما دخل ما يقرب من مليون مهاجر سوري إلى أوروبا.

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي