عمر مرزوق يقدم سيرة شخصية وفكرية لـ"عبقري العباقرة وفيلسوف الفلاسفة"

2021-11-14 | منذ 2 أسبوع

غلاف الكتاب

هاشم صالح: صدر في باريس مؤخراً كتاب هام بعنوان: «ابن سينا، أو إسلام الأنوار». ومؤلفه باحث جزائري الأصل اسمه عمر مرزوق. وأعترف بأني لم أكن قد سمعت باسمه من قبل قط. وهذا من نواقصي الشخصية التي ألوم نفسي عليها. وذلك لأن الرجل مفكر حقيقي من الطراز الأول. وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون، ومختص عموماً بفكر القرون الوسطى. ولكنه مطلع أيضاً على فكر الحداثة بشكل متين. وكان قد نشر سابقاً كتاباً بعنوان: هل توجد فلسفة إسلامية؟ منشورات دفاتر الإسلام عام 2018. وكان خلال سبع سنوات أستاذاً للفلسفة والحضارة الإسلامية في معهد الإمام الغزالي، التابع لجامع باريس الكبير. وهو الآن ينشر كتاباً ضخماً يتجاوز الأربعمائة صفحة عن واحد من أكبر فلاسفة العرب والإسلام: الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا. وهو كتاب مشوق لأنه يتخذ أحياناً شكل الرواية أو حتى الملحمة القصصية الممتعة. ولكنه كتاب علمي أكاديمي في الوقت ذاته. بمعنى أنه لا يلقي الكلام على عواهنه وإنما يقدم لنا لأول مرة السيرة الشخصية والفكرية لعبقري العباقرة وفيلسوف الفلاسفة. بصراحة كنا بحاجة ماسة إلى كتاب من هذا النوع. لقد طال انتظاره. والسؤال الذي يطرحه الكتاب هو التالي: هل يمكن أن تكون مسلماً مؤمناً، ومع ذلك تمارس روحك النقدية على التراث؟ بمعنى آخر: هل يمكن أن تكون مسلماً حقيقياً وفيلسوفاً تنويرياً في آنٍ معاً؟ والجواب نعم، يمكن بشرط أن تكون في مستوى ابن سينا. من المعلوم أن هذا المفكر لم يكن فقط طبيباً عظيماً سيطر على جامعات أوروبا طيلة سبعة قرون متواصلة. وإنما كان أيضاً فيلسوفاً ضخماً مطلعاً على كل علوم عصره وبالأخص على مؤلفات أفلاطون وأرسطو وأبقراط وبطليموس وغالينوس... إلخ، ولهذا السبب كان يريد إدخال العقل والمنطق والفلسفة إلى عالم الإسلام، فلا يبقى محصوراً بالأفكار التقليدية والعقليات الضيقة. كان يريد أن يقدم للمسلم الوسائل المعرفية التي تمكنه من التحرر من الظلاميات الدينية. من هنا عنوان الكتاب: «ابن سينا، أو إسلام الأنوار». هذا الكتاب يروي لنا قصة ابن سينا، أو بالأحرى ملحمته الشخصية الهادفة إلى إصلاح الفكر العربي الإسلامي وتنويره وتوسيع آفاقه في عالم هائج مائج وظروف قلقة مضطربة.

الشيء اللافت في شخصية ابن سينا هو عبقريته المبكرة التي أدهشت معاصريه وأذهلتهم. إنه يفهم «على الطائر» إذا جاز التعبير. ما يحتاجه الآخرون إلى سنوات لفهمه واستيعابه يفهمه هو في بضعة أيام. كان يستوعب أصعب النظريات العلمية أو الطبية أو الفلسفية وهو لا يزال حدثاً صغيراً في السن. يقول لنا المؤلف بهذا الصدد ما معناه: ما إن اكتشف والده هذه المواهب المتفجرة فيه حتى راح يؤمن له أفضل الأساتذة لتربيته وتعليمه. ولكن المشكلة أنه بعد فترة قصيرة سرعان ما تفوق على الأساتذة أنفسهم! بل وأصبح يفحمهم. بل وأصبح يخيفهم. فماذا تفعل بطفل كهذا؟ فلتة الفلتات. أعتقد أنه يشبه من هذه الناحية باسكال الفرنسي أو نيتشه الألماني، أو ربما أينشتاين ذاته. لم لا؟ لحسن الحظ فإن المجتمع الذي ولد فيه ابن سينا لم يكن منغلقاً كارهاً للمعرفة على عكس ما نظن. لم يكن عصراً معادياً للفلسفة والعلوم الدخيلة التي ولدت خارج أرض الإسلام: كعلم المنطق، وعلم النفس، والفلسفة... إلخ. وذلك لأن عصر ابن سينا كان امتداداً للعصر الذهبي الذي ازدهر بين القرنين الثامن والتاسع للميلاد. أما هو فقد ولد في القرن العاشر ومات في القرن الحادي عشر. لم يكن التزمت الفكري الكبير قد حصل بعد. لم يكن باب الاجتهاد قد أغلق بعد. هنا يكمن حظ ابن سينا.

صوة لإبن سينا

 

ومع ذلك فإن الدكتور عمر مرزوق يقول لنا إن أكبر مشكلة واجهت ابن سينا في حياته وظلت تلاحقه حتى النهاية هي: معارضة الفقهاء المتشددين له وتركيزهم الشديد عليه حتى أقضوا مضجعه. نعم لقد كان رد فعل رجال الدين عليه وعلى أفكاره ومؤلفاته سلبياً جداً. وسوف تلاحقه هذه المشكلة طيلة حياته كلها. علاوة على ذلك فسوف يظلون يحسدونه ويغارون منه بسبب مواهبه الهائلة في المجالات كافة وذكائه المنقطع النظير. وحتى بعد موته مرغوا سمعته في الوحل واغتابوه وشتموه! وأكبر مثال على ذلك الغزالي الذي كفره رغم أنه استفاد من علمه الغزير وأخذ بعض أفكاره دون أن يعترف بذلك صراحة. لم ير في فلسفة ابن سينا إلا تقليداً باهتاً لأرسطو وأفلاطون في حين أنه كان مبدعاً حقيقياً. كان الفقهاء يمتلكون سلاحاً فعالاً وفتاكاً لتشويه سمعته وإسكات صوت شخص عبقري موهوب مثله. ما هو؟ إنه اتهامه بالكفر والإلحاد! ينبغي العلم أن حملة الإشاعات المغرضة التي استهدفت العلماء والمفكرين الحقيقيين اتخذت أبعاداً هائلة ومخيفة. وإذا كان هناك علماء كرههم الفقهاء، فهم بالدرجة الأولى الفلاسفة. لهذا السبب اضطهدوا الكندي وابن رشد والسهروردي وسواهم كثيرين. وتمت ملاحقتهم بل واغتيال بعضهم كالسهروردي وابن المقفع وابن باجة... إلخ. ويرى الدكتور عمر مرزوق أن هذه الممارسات استمرت حتى يومنا هذا، حيث اضطهد نصر حامد أبو زيد من قبل علماء الأزهر الذين اعتبروه ملحداً مرتداً، في حين أنه كان مسلماً حقيقياً، ولكن بعقلية فلسفية متنورة.

من جهة أخرى، يرى المؤلف أن الصفة الأساسية لابن سينا هي عطش إلى المعرفة لا يرتوي، وجوع إلى الفكر لا يشبع. كان فضوله المعرفي يشمل كل شيء: الفيزياء، وعلم الفلك، والكيمياء، والسياسة، والطب، وعلم النفس، وعلم المنطق، وعلم الرياضيات، وبالطبع الفلسفة. كان مفكراً موسوعياً بالمعنى الحرفي للكلمة. بل وينبغي أن نضيف الشعر أيضاً! فقد كان شاعراً موهوباً حقاً. لقد جمع المجد من طرفيه، أو من جميع أطرافه دفعة واحدة.

ثم يقول لنا المؤلف إن فكر ابن سينا كان نقدياً ومنفتحاً في آن. نقصد بالمنفتح أنه كان يأخذ الأفكار الآتية من الخارج ولكن بعد إعادة صياغتها وتعديلها والإضافة إليها. لم يكن يأخذها جاهزة كما هي. عبقري مثله لا يمكن أن يقلد الآخرين حرفياً. وهذا ما فعله مع علم النفس الموروث عن أرسطو. فلم يأخذه كلياً، وإنما جزئياً فقط ثم أضاف إليه. وكان فكره نقدياً لأنه كان يخضع أفكار الفلاسفة الذين سبقوه للغربلة النقدية والتمحيص الشديد. فما صمد منها أخذ به وما لم يصمد طرحه وتخلى عنه. وهذه هي سمة العباقرة في الأخذ: الهضم والاستيعاب والتجاوز.

لكن ماذا عن موقفه من العقل والنقل؟

هنا يموضع الدكتور عمر مرزوق الإشكالية ضمن إطارها الواسع ويقول لنا ما معناه:

تسود في أيامنا هذه أطروحة مغلوطة تقول بوجود تضاد بين الإسلام والعقل. فالبعض يتوهمون أن الفلسفة تؤدي إلى الكفر، أو الابتعاد عن الله، أو فقدان الإيمان والورع. وبالتالي فالمسلم مطالب بالاختيار بين شيئين: إما الفلسفة، وإما الدين. لقد أدت قرون متواصلة من الحملات الهجومية على الفلسفة إلى هذه النتيجة المؤسفة. ولكن الحل الصحيح هو التوفيق بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والإيمان كما فعل ابن سينا، وكما فعل ابن رشد من بعده. وكذلك كما فعل طه حسين ومحمد أركون وعبد النور بيدار في عصرنا الراهن.

إننا لنشعر بالألم إذ نقول هذا الكلام. ولكننا نشعر بالغضب أيضاً على أولئك الذين أدانوا الفلسفة في العالم الإسلامي وأوصلونا إلى هذه النتيجة الكارثية التي أدت إلى تأخرنا وتخلفنا عن ركب الحضارة والتقدم. نقول ذلك، وبخاصة أن العقلانية الفلسفية هي التي جعلت الغرب ينطلق حضارياً ويتفوق على العالم العربي والإسلامي كله بدءاً من لحظة ديكارت. فقد أعطى هذا المفكر العملاق للغرب المفاتيح المنهجية التي مكنته من التحرر من السلاسل والأغلال القروسطية وتشكيل حضارة عقلانية وتكنولوجية هائلة. وهي حضارة أصبحت لاحقاً كونية بحجم العالم.






كاريكاتير

إستطلاعات الرأي